الخميس, 6 تشرين الأول 2022
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 50 تاريخ 1/7/2009 > فتيات دون العشرين ضحية «زواج الوافدين»..
فتيات دون العشرين ضحية «زواج الوافدين»..
القاهرة- خاص جهينة:

قال دليلنا الذي يدعى أحمد: إن والده ورغم كونه موظفاً مرموقاً، تلقى عرضاً بتزويج صغرى شقيقاته مقابل مهر ضخم.. صحيح أنه رفض فوراً، ولكن مجرد تفكير الوسيط في تقديم عرض لشخص مثل والده يكشف عن تغلغل هذه الظاهرة في قريته إلى حدّ مفزع.
كان الحديث قد جذب سيدة كبيرة السن ترتدي الثوب الفلاحي التقليدي، جاءت جلستها إلى جوارنا في السيارة «الميكروباص» التي نقلتنا إلى القرية، وسرعان ما انضمت إلى حوارنا لتؤكد أن القرية لم تعرف هذه الظاهرة إلا منذ عشر سنوات تقريباً، وبعد أن «شطب» أثرياء الخليج على بنات قرى مجاورة بدأت عمليات تصدير الزوجات فيها في منتصف الثمانينيات.
السيدة العجوز التي امتزجت في لهجتها المرارة والغضب تطوعت بأن تدلنا فور وصولنا إلى القرية على منزل السيدة «نعمات» إحدى سماسرة هذا النوع من الزواج ولعلها أشهرهن، بل وسارت معنا حتى المنزل المقصود وأوصت بنا السيدة قائلة إننا «جورنالجية» من القاهرة.
شوارع القرية بدت خليطاً متنافر الألوان والأشكال، وإن غلب عليها الفقر الشديد في الذوق وأشياء أخرى، وكانت الشوارع تعجّ كالعادة بالأطفال الذين يقطعونها جرياً في مطاردات لا تنتهي.
استقبلتنا السيدة «السمسار» بفتور رغم دعوتها لتناول «الشاي» لكننا أكدنا لها أننا لا نقصد الإساءة لها ولا إلى بلدها، وأننا نريد فقط الاستماع إلى بعض قصص الفتيات بغرض توثيقها في «بحث اجتماعي».
قادتنا السيدة إلى غرفة الاستقبال بمنزلها، وذهبت لإحضار عدد من الفتيات قائلة إنهن سيتحدثن بحرية أكثر بعيداً عن أسرهن.
لم يستغرق الأمر أكثر من دقائق شربنا خلالها الشاي، إذ سرعان ما وصلت بعدها أربع فتيات لا يزيد عمر الواحدة منهن عن عشرين إلى ثلاثة وعشرين عاماً.
تحدثت في البداية إيمان التي بدت أكثرهن جرأة ومرحاً لتعترف بأنها لم تكن ضحية لأحد، وإنما سارت بقدميها في الطريق الخطرة معتقدة أنها «صياد» ماهر فإذ بها «فريسة» أطماعها.
تقول إيمان: عقب تخرجي من الجامعة تنقلت بين أكثر من وظيفة كانت كلها برواتب زهيدة، شعرت أن الفقر يحاصرني ويخنقني، وكنت أسمع حكايات الزواج بالأثرياء العرب فقررت أن «اصطاد» أحدهم وأخذت أتردد على أماكن تجمعاتهم في القاهرة، خصوصاً المولات التجارية، وهناك التقيت برجل أعمال كويتي كان في زيارة سريعة إلى القاهرة لإنجاز بعض الأعمال، وعرض عليّ الزواج العرفي لكني رفضت فتزوجني بعقد شرعي وكتب باسمي شقة فاخرة وشعرت وقتها أن مخططي نجح وأن أيام الفقر ولّت.. وبعد شهر العسل سافر إلى بلده وكان الخطاب الأول والوحيد الذي وصلني منه ورقة الطلاق ومعها ما يفيد أن الشقة لم تعد ملكي واكتشفت أني وقعت تنازلاً عنها دون أن أدري بين أوراق عديدة وقعتها تحت دعوى إنهاء الإجراءات، وهكذا خرجت خاسرة من كل الجهات.
تلتها «ثناء» لتقول: لعلي صاحبة أصعب تجربة في هذا المجال.. فقد ولدت لأسرة فقيرة جداً، مكونة من ثمانية أشقاء يعولنا والدي العامل البسيط وكانت ظروفنا المادية شديدة السوء وعندما بلغت السابعة عشرة وجد أبي جاراً لنا يطرق بابه، ليقول له إنه وجد الحل السحري لمشاكلنا كأسرة وأخبره أن لديه عريساً لي يكبرني بأربعين عاماً، وأن العريس الذي ينتمي إلى إحدى الجنسيات العربية سيعطيه عشرين ألف جنيه مهراً وهو رقم ضخم جداً بالنسبة لنا، وإن كان لا يساوي يوماً واحداً من أيام العذاب التي عشتها مع «العريس»!!.
تواصل ثناء: ترددت في البداية بسبب فارق السن، لكن والدتي وبعض صديقاتي قلن لي أنني سأكون مجنونة لو رفضت هذه الفرصة فوافقت، حصل أبي على الآلاف العشرة وانتقلت أنا مع العريس إلى شقة مفروشة فاخرة بالقاهرة، حيث قضيت شهر عسل زرت خلاله معالم القاهرة السياحية لأول مرة وذقت طعم الرفاهية، حتى أن مخاوفي الأولى زالت وعندما حان وقت السفر إلى السعودية بلد العريس لم أتردد وهناك اصطدمت بأقبح ما في الواقع.
وجدت نفسي مجرد خادمة لأسرة كبيرة العدد، أواصل الليل بالنهار في تنظيف المنزل وإعداد الطعام ثم أبيت آخر الليل إلى جانب خادمة شرق آسيوية على أرضية المطبخ.
وتضيف باكية: عشت ثلاثين شهراً من الإذلال والمعاملة السيئة من دون سبب ولم يكن أمامي إلا التنازل عن كافة حقوقي الشرعية، من مؤخر صداق كبير كان مكتوباً في عقد الزواج إلى نفقة المتعة والنفقة الشرعية وحتى الفساتين الغالية التي اشتراها لي زوجي في شهر العسل.. تنازلت عن كل شيء لأحصل على حريتي وعدت إلى بيت أهلي مطلقة قبل أن أصل العشرين ومن دون مكاسب على الإطلاق، باستثناء العشرة آلاف التي أخذها والدي مهراً والتي طارت بالطبع خلال تلك الشهور.
ثناء أكدت لنا أنها مضربة عن الزواج وترفض كل من يتقدم لها، رغم مرور سنوات على تجربتها الأولى الأليمة إلا أنها مازالت عاجزة عن مجرد التفكير في الأمر.
المفارقة المضحكة والمبكية في الوقت نفسه ما جاء على لسان سامية التي قالت: أسكن في الحارة نفسها التي تقطنها ثناء، وعقب سفرها وبينما كانت تتعذب هناك كنا نسمع الحكايات التي لا تنتهي عن النعيم الذي تتقلب فيه والأموال الطائلة تحت تصرفها الأمر الذي شجعني على الموافقة السريعة على أول عرض جاءني من السمسار نفسه الذي زوجها.
تقول سامية: تزوجت من سعودي أيضاً وسافرت معه إلى بلده لأجد نفسي حبيسة أربعة جدران، فقد كانت زوجته الأولى لا تعلم أنه تزوجني وكان يأتي إليّ مرتين أو ثلاث مرات أسبوعياً، وكانت زياراته بالنسبة لي عذاباً وإحساساً مستمراً بالهوان، فقد كان يعاملني كأني فتاة ليل ويطلب مني سلوكيات جنسية شائنة ولا يتوانى عن سبي وضربي إذا رفضت.. لقد تحولت المسألة إلى سلوك مريض، وعقب مغادرته إلى منزله كنت أشعر بالوحدة والضياع وعندما أصبح الأمر فوق التحمل أضربت عن الطعام وهددته بالانتحار فاضطر لإعادتي إلى أهلي، طبعاً بعد التنازل عن حقوقي المادية، وبدلاً من أن أجد المواساة وتطييب الخاطر ظل أبي وأمي يؤنباني على «النعيم» الذي أضعته بحماقتي.
وقبل أن نغادر القرية أصرت السيدة التي استضافتنا على أن نزور بأنفسنا أحد منازل القرية قائلة: لكي لا تعتقدوا أن الدنيا لا خير فيها.
وعلى أبواب المنزل الأنيق رغم صغر مساحته، التقينا سيدة لم تفقد ملامحها الحسن رغم كبر سنها بقليل روت لنا حكايتها قائلة: قبل سنوات طويلة سافر شقيقي إلى السعودية بحثاً عن عمل وهناك عاش سنوات طويلة تعرّف خلالها إلى شاب سعودي وصارا صديقين ودعاه لزيارة مصر ووقتها تعرفت إليه وفوجئت به يطلب يدي للزواج، كنا في أواخر السبعينيات وتزوجنا كأي شابين يربط بينهما الحب وسافرت معه لأقضي أسعد أيام حياتي إلى أن اختاره الله إلى جواره، فعدت أنا وطفلي الوحيد ونصيحتي التي لا أكفّ عن ترديدها لبنات القرية هي ألا تتزوج إلا بمن تحب بغض النظر عن جنسيته فكلنا عرب ومسلمون.
ظاهرة «زوجات التصدير» والتي بات ضحاياها بالآلاف يرصدها الأستاذ الدكتور يسري عبد المحسن أستاذ الطب النفسي قائلاً: أمراض كثيرة تترتب على مثل هذا الزواج الذي أسمّيه أنا انتهاكاً لجسد المرأة وحريتها ومشاعرها حتى لو كان بغطاء شرعي.
وأضاف: جاءتني في عيادتي فتيات كن ضحايا لظاهرة اتجار الأهل ببناتهن، وكنّ مصابات بالهلع وفقدان الثقة والاكتئاب الحاد في بعض الحالات.
وقال الدكتور عبد المحسن إن الزواج يجب أن يتأسس على التكافؤ في السن والمستوى الاجتماعي والميول الشخصية حتى تتحقق من خلاله المودة والرحمة التي ذكرها الله في القرآن الكريم.
وأضاف الدكتور يسري: الظاهرة ليست جديدة وإنما الإعلام التفت إليها مؤخراً والأمر لا يتعلق بالأثرياء العرب فحسب، فهناك حالات تزويج قسري لفتيات دون الثامنة عشرة بمن يكبرونهن بثلاثين وأربعين عاماً وليسوا عرباً والمأساة هنا لا تختلف عن الحالات التي رصدتموها.
والمفارقة التي يرصدها الدكتور يسري عبد المحسن أن الضحايا ليسوا طوال الوقت من العائلات الفقيرة فقط، فهناك عائلات ثرية تزوج بناتها بالطريقة ذاتها من أجل المزيد من الثروة ولو على حساب الصحة النفسية لهؤلاء الفتيات.
وحذر الطبيب النفسي الشهير من تحوّل بعض ضحايا مثل هذه الزيجات إلى سماسرة يقدن غيرهن للطريق ذاته أو إلى محترفات يكررن التجربة مرات عديدة بعد أن تتبلد مشاعرهن تماماً.
من جانبه رأى الدكتور أحمد أبو كريمة أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر أن عقد النكاح أو الزواج من وجهة نظر الشرع هو أخطر العقود التي يجريها الإنسان، مشيراً إلى أن القرآن سمّاه «ميثاقاً غليظاً».
وقال: قيام بعض الأسر الفقيرة بتزويج بناتها لوافدين يفوقهن عمراً بسنوات كثيرة مقابل أموال هو نخاسة أو تجارة رقيق حتى لو ادّعى البعض أنه زواج شرعي.
وحذر أبو كريمة من العواقب الوخيمة لمثل هذه السلوكيات، مشيراً إلى وجود أكثر من عشرة آلاف قضية نسب تنظر فيها المحاكم لأن أزواجاً من هذا النوع يرفضون الاعتراف بثمرة الزواج وهو باب لفساد كبير في المجتمع على حدّ قوله.
وطالب الدكتور أحمد باحترام المرأة التي كرمها الإسلام واشترط ألا تعطى إلا لصاحب الدين والخلق. وختم كلامه بالحديث الشريف «استوصوا بالنساء خيراً».
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة