الخميس, 6 تشرين الأول 2022
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 42 تاريخ 1/11/2008 > استقلالية الفتاة في المسكن بين الحرية الشخصية ورفض المجتمع
استقلالية الفتاة في المسكن بين الحرية الشخصية ورفض المجتمع
جهينة- نجوى علي صليبة:

حرية إجبارية
«رولا حامد» خريجة كلية الحقوق كان لها تجربتها التّي اختصرتها بالقول: «لولا الاستئجار لما تخّرجت».
«رولا» إحدى سكّان «جرمانا» تعيش مع أهلها في أحد أحياء هذه المنطقة ورغم ذلك استأجرت في حيّ يجاور منزل أهلها المكّون من غرفة واحدة ومنتفعاتها. الجو أبداً لم يناسبها للدّراسة وتحملّت «القال والقيل» وكلام النّاس الجارح ونظراتهم الدّنيئة.
«رولا» تحمد الله وتشكره على أنّ الأسرة التي استأجرت عندها كانت تراعي وضعها وتساعدها قدر الإمكان وتتساهل معها في الأجرة وتشجّعها على تحقيق تحصيلها العلمي وتقدّر طموحها كما أنّ رولا تنصح كلّ فتاة لا يناسبها وضعها المنزلي بالاستئجار، والاستقلال في المسكن.

الحرية استقلالية لكن... لا «للشنططة»
«أمينة» خريجة معهد موسيقا من محافظة السّويداء وتسكن في دمشق... دفعها عملها للاستئجار، لكن الايجار غالٍ وبعد شهر أو شهرين من استلام المنزل يقوم صاحبه برفع الأجرة غير أن هذا الأمر ليس مهماً أمام ما تتعرض له «أمينة» من مضايقات جيرانها الشباب الذين ما إن يعرفوا أنها تعيش وحدها حتّى يبدؤوا التقرب منها عارضين عليها السهر وشرب «المتة». رغم هذا وذلك استمرت «أمينة» ولم تلق بالاً لكل هؤلاء المتخلفين «حسب قولها» فالسكن بمفردها حقق لها استقلاليتها التي لم تجدها في منزل أهلها، كذلك تعززت ثقتها بنفسها وهذا ما جعلها تؤكد حبها وشغفها بالاستقلالية لكن من دون «شنططة» كل شهرين في مكان.
الحرية هي الكرامة
«ريم» ذات الثلاثين عاماً اضطرها عملها الذي حصلت عليه أخيراً للسكن في محافظة أخرى... ولحسن الحظ «كما قالت في البدء» أن أختها كانت تسكن في هذه المحافظة وهذا سيسهل عليها الكثير، وبدأت تضع خططاً للسهر والمرح مع أختها لكن خططها باءت بالفشل والأسى، فبعد أشهر من إقامتها في منزل أختها بدأ صهرها بإبراز إمكانياته «الكازانوفية»، كلمة من هنا ولمسة من هناك. احتارت «ريم» ماذا تفعل، فليس بإمكانها أن تخبر أختها و»تخرب بيتها» كما تقول... فقررت حسب المقولة المعروفة «مجبر أخاك لا بطل» الاستئجار رغم صعوبته ولكن برأيها كل شيء يهون في سبيل الحصول على الأمان والحفاظ على الكرامة.
الهروب من «قاووش» المدينة الجامعية
عشرات الفتيات اللواتي التقتهن «جهينة» هربن من المدينة الجامعية لما عانينه من تكديس للطالبات في الغرف، مع العلم أن الغرفة لا تزيد مساحتها عن 12م2 ولكن تتسع بقدرة قادر لثماني طالبات وبعض الغرف لأكثر. ناهيك عن أن كل فتاة من محافظة والاختصاص الدراسي مختلف ولكل منهن عقليتها وسلوكياتها التي لا تتفق ولا بشكل من الأشكال مع الأخريات.
أما «حنان» طالبة في كلية الحقوق فتقول بأن المنهاج الضخم والغرفة الصغيرة والبنات الكثر كلها أمور لا تساعد على الدراسة، فالطالبات من كليات مختلفة ولكل وقتها في الخروج، فهذه التي تستيقظ في الساعة السادسة وتلك عند السابعة وهذه ترى «السيشوار» في منامها وتلك التي ترى «المتة» و»خليها على الله» كما ختمت «حنان» حديثها.
الاستئجار استغلال
هذا الموضوع اتفقت عليه الفتيات على اختلاف مستوياتهن العلمية والمادية والاجتماعية، فالأجرة مرتفعة رغم أن الغرف أو البيوت لا تستحق كل ما يدفع من أجرة. الغرف غير مفروشة ولا تحقق شروط السكن.
وإذا أراد المؤجر رفع الأجرة ووجد من يدفع أكثر لا يوفر طريقة حتى يخلي المسكن، فيتذرع تارة بالقيام بترميمات أو أنه سيزوج ابنه فيه. ولكن ما إن تعرض عليه الفتاة زيادة الأجرة حتى يقف ويقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله» سأقبل بالزيادة «كرمال ما تتشنططي».
للحرية ثمنها
«سوسن» موظفة في القطاع الخاص تدفع «2000 ل.س» أجرة في منطقة «المزة 86 خزان» وهذا برأيها مناسب جداً لوضعها فهي في هذه الغرفة منذ سنتين إلا أنها الآن تبحث عن غرفة أخرى، لأن صاحب البيت بدأ مضايقاته التي لا تنتهي كي تسلمه الإيجار. وهو على حد قولها «عالطالعة والنازلة» لا يوفر ذكاءه ومغازلاته المزيفة والمكشوفة، كي تخرج من المنزل طبعاً لأن المستأجرين الجدد كما تقول سيدفعون أكثر.
أن تكوني حرة في المسكن
يعني أن تكوني رجلاً
بدأت «رانيا» حديثها بالقول «عم نشتغل شغل بس للشباب» وضحكت كثيراً وشاركتها صديقاتها في المنزل، فهي تضطر لأن تصعد السلم و«تركّب المدفأة» وتتسخ «بالشحار» كما تضطر أحياناً لتصليح المغسلة، بعد أن تمل من طلب تصليحها من صاحب المنزل وكذلك «صنابير المياه». واتفقت «رانيا» مع صديقاتها على موضوع آخر، وهو أنهن استأجرن أملاً بالاستقرار، لكن يبدو أنه لا محالة من «التنقل» فهي مضطرة بين الفترة والأخرى إلى البحث عن مسكن آخر و»تنقيل» الأغراض ووضعها في «سوزوكي» إذا لم يساعدها أحد من أصدقائها الشباب «أليس هذا عملاً خاصاً بالشباب».
الحرية هي الذات؟
أن تشعري بأنك مسؤولة عن نفسك واحتياجاتك وأفعالك وكل ما يصدر عنك هو الحرية... والاستقلال في المسكن والخروج من منزلك وأسرتك يحقق لك ذلك وإن كانت مساحة الإيجار صغيرة نوعاً ما.
هكذا وصفت شيرين تجربتها وهذه قناعتها ورأيها في الحرية التي تعيشها، مع العلم أنها طالبة في كلية التربية قسم الإرشاد النفسي.
حرية منقوصة...؟!
وعلى الرغم من أن معظم الفتيات أبدين ارتياحهن لخوض هذه التجربة مع كل منغصاتها إلا أنهن أجمعن على أن حريتهن هذه لا تزال منقوصة، فالفتاة تبقى على احترامها لضوابط المجتمع وتقاليده رغم خروجها عنها أحياناً إلا أن المكان الذي تسكن فيه الفتاة يفرض عليها العودة في وقت مبكر ويفرض عليها تحديد علاقاتها حتى مع الفتيات من أجل الحفاظ على هدوء المكان وطبيعته. وهنا لا بد من السؤال... هل حقاً الحرية منقوصة أم أننا أخذنا من الحرية كفايتنا وباتت صفة الحرية المنقوصة حجة لأي شيء نريده ولا نستطيع الوصول إليه. أم أن الحرية باتت قيداً لحرية أعظم.
نصيحة
بدءاً من رولا وانتهاء بـ رانيا وصديقاتها فقد نصحن كل فتاة لا يناسبها وضعها في المنزل من حيث الدراسة والاستقرار بالاستئجار «والله يعينهن» هكذا قالت «رولا» وأضافت: رغم كل مساوئ الاستئجار إلا أنه أفضل، إذا كانت منازلنا ستقف دون تحقيق راحتنا وطموحاتنا. وإذا كانت ستظل قيداً لا يحلّ وسدّاً أمام حرية حياتنا وشخصياتنا.
لا أرغب بذلك إطلاقاً
الأستاذ «باهر فاضل» عضو المؤتمر العام التاسع لنقابة المعلمين عندما سألته عن تجربته في تأجير منزله لطالبات جامعيات أو فتيات حصراً أكد حرصه على تأجير منزله لطالبات والسبب في ذلك ثقته بأنهن ملتزمات أكثر من الشباب وهن هادئات أكثر بطبيعتهن. كما أكد على معاملتهن كبناته، فهو يعلم أن الفتاة في مجتمعنا لها خصوصياتها أكثر من مجتمعات أخرى.
فالفتيات رائدات مجتمع وفدائيات «كما يقول»... الفتاة عندما تبتعد عن أهلها لتدرس وتعمل وتؤمن مستقبلها فإنها تدرك أهمية العلم والعمل أيضاً، لذلك يجب ألا نستغل أبداً ظروفهن. فالأستاذ «باهر» يتسامح معهن قدر الامكان.
إلا أني عندما سألته هل سيسمح لبناته في المستقبل بالاستئجار إذا اضطررن للدراسة في محافظة أخرى قال «الفكرة بعيدة عن ذهني تماماً ليس لعدم ثقتي بهن أبداً وإنما لأن المجتمع ظالم جداً وباتت مجتمعاتنا وشوارعنا تهدد كل فتاة، لذلك أنا أسعى وأعمل ما بوسعي كي يدرسن في المحافظة نفسها أنا لا أرغب بهذه المغامرة أبداً«.
وبعد هذه الآراء ننتقل للوقوف على رأي أهل الاختصاص والمعرفة والعلم في هذا المجال:
الباحثة أميرة عرقسوسي: نبقى مجتمعاً شرقياً!
الأستاذة أميرة عرقسوسي ماجستير بعلم الاجتماع وتحضر الآن لرسالة الدكتوراه تقول: نحن مجتمع شرقي ومن المفروض أن تبقى الفتاة مع أهلها ولكن أحياناً وبحكم الظروف تضطر الفتاة للاستقلال في المسكن، فمثلاً الدراسة تضطرها لذلك فهنا لا مشكلة طالما أن لدى الفتاة الوعي الكافي وهذا أحياناً يفيدها كثيراً في الاعتماد على نفسها، أنا مع الفتاة في مثل هذه الظروف ولكن عدا ذلك لا أحبذ الفكرة وتحقيق الذات لا يكون بالسكن بمفردك ولكن ضمن الأسرة يمكن أن تحقق الفتاة ذاتها وشخصيتها. هناك نسبة محدودة تنظر نظرة غريبة للفتاة التي تسكن بمفردها حتى لو كانت مثلاً مطلقة أو أرملة فالناس تتساءل: لماذا هذه المرأة تعيش وحدها فما بالك إذا كانت عزباء؟!
د. طلال مصطفى: الفكرة لها إيجابياتها
أما الدكتور طلال مصطفى أستاذ الخدمة الاجتماعية في جامعة دمشق قسم علم الاجتماع فكان له رأي مغاير نوعاً ما حيث يقول: ننطلق من قاعدة أساسية أن الإنسان بطبعه اجتماعي أو هو حيوان اجتماعي أو عاقل حسب تعريف أرسطو وليس بإمكانه العيش بمفرده ودون الآخر وبذلك تكون هناك ضرورة اجتماعية لهذا الآخر.
أعتقد أن هناك ميلاً ليس لدى الإناث فقط بل عند الذكور أيضاً للسكن بمفردهم. وأعتقد أن هذا يرتبط بالمرحلة العمرية وهي إلى حد ما مرحلة الشباب أو ما بعد المراهقة. في هذه المرحلة هناك صفات اجتماعية للمراهق وقد تكون لديه رغبة في التعرف إلى الآخر وحتى على ذاته.. ربما يتعلق ذلك بأمور نعتقد أنها خاصة. قد يكون بداية النضج العاطفي وهنا يكون للشخص نوع من الكتمان لهذه الحالة، فالأسرة لها طابعها السلطوي أو القمعي لذلك يخرج الفتى أو الفتاة للإقامة مع الآخرين وتكون هنا حالة من التمرد والحرية الشخصية وهي ليست ظاهرة سلبية ففيها الجانب الإيجابي... وهناك أسباب أخرى ربما البعض لا يريد أن يتعرف عليه الآخرون وعلى وضعه وربما يريد المحافظة على علاقاته الشخصية من يستقبل ومتى ينام، فنحن نطالب بأن يكون للفتاة والشاب لكل منهما غرفته المستقلة والخاصة وهذا ما يخفف من الضغوط الاجتماعية والنفسية ويستطيع الشخص إلى حد ما العيش مع ذاته دون رقيب لعدة ساعات حتى ولو كانت قليلة. وبالنسبة للحرية لا يوجد حرية مطلقة. الحرية الشخصية موجودة في مجتمعنا ولكنها ليست مطلقة فهي مقيدة بعادات وتقاليد اجتماعية وبالبيئة التي نعيش فيها، فنحن لا نستطيع ارتداء ملابس مختلفة وغريبة ونحن في بيئة محافظة أو حتى لا نستطيع الاستماع للموسيقى بصوت عال يزعج الجيران والأهل. والحرية مرتبطة بالمنظومة القيمية السائدة في المجتمع وهذا لا يعني أن هذه الحرية تتباين وتتفاوت بين الشباب وهذا ما يسمى بالصراع بين ثقافة الشباب والقيم العامة في المجتمع، هذه المسألة طبيعية بكافة المجتمعات، فمثلما نحن نطالب بهذه الحرية فإن أبناءنا سينظرون إلينا كما ننظر الآن إلى أهلنا ويطالبوننا بما نطالب به أهلنا.

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة