السبت, 3 كانون الأول 2022
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 42 تاريخ 1/11/2008 > الكاتب خالد خليفة:أنا مهموم بفكرة البحث في تقنيات الكتابة وأسئلتها..
الكاتب خالد خليفة:أنا مهموم بفكرة البحث في تقنيات الكتابة وأسئلتها..
بدأ تجربته الأدبية شاعراً وكان عمره إحدى عشرة سنة، ونشر نصوصه بالصحف في الخامسة عشرة، وبعد أن تخرج من الجامعة وكان قد بلغ الرابعة والعشرين من عمره، ترك الشعر وقرر أن يصبح روائياً، فكتب رواية كاملة، لكنه أتلفها ومزق مسوداتها لأن نصها كان بدائياً، وكانت تقليداً لروايات قرأها وكان معجباً بها، وبعدها دخل في مرحلة البحث عن الاختلاف وتكوين الشخصية، وكيف يكتب نصه وليس نصوص الآخرين...
بدأ في عام 1989 كتابة عمله الأول «حارس الخديعة» وكان يراها مشروع قصيدة طويلة وتحولت إلى رواية، أما أصدقاؤه فكانوا يرونها نصاً مفتوحاً، ومع ذلك دافع عن نصه كرواية، وهاهي طبعتها الثالثة قيد الصدور ومازال نصها طازجاً كأنه كتب الآن، فيما يراها الكاتب عملاً خارج قوانين الرواية حيث كان هناك سعي من قبل جيله نحو موضوع التجريب، وقد فتحت هذه الرواية الباب واسعاً أمام خالد خليفة فكانت رواية «دفاتر القرباط» ومن بعدها أصدر رواية «مديح الكراهية» التي رشحت لجائزة «بوكر».
ولا تقتصر تجربة خالد على الرواية بل دخل مجال الدراما التلفزيونية وحقق حضوراً ملفتاً فيها، إضافة لتجربته في مجال السينما ورصيده منها أربعة أفلام وثائقية وروائية طويلة، وله مساهمات في الصحافة عبر منابر إعلامية مختلفة، واستكمالاً للحديث عن تجربة خالد خليفة الإبداعية التقته «جهينة» وكان هذا الحوار:

جهينة- سلوى عباس:

تتسم أعمالك بطابع التجريب مما يجعلنا نرى نتاجك الأدبي متعدد التقنيات وكل عمل كتب بتقنيات وأدوات جديدة ومختلفة؟ هل هذا ما جعل نتاجك مختلفاً عن نتاج جيلك؟
هناك إحساس دائم يرافقني بعدم التفكير بكتاب إذا لم يكن لديّ جديد أقدمه على صعيد التقنيات، فأنا مهموم ومشغول دائماً بفكرة البحث في التقنية التي سأقدم فيها الكتاب، وتلح عليّ أسئلة متعددة بأي ضمير سأكتب، وبأي زمن روائي، وبأي شيء سأكتب، وكيف سيكون المكان، وهذه الأسئلة أساسية بالنسبة لي، فأنا لا أستطيع أن أبدأ رواية إذا لم أحسمها نهائياً، ودائماً هناك محاولات تجريب أولية، وأنا أعتقد أن الصراع الموجود في العالم اليوم حول الرواية هو من سيضيف إلى التقنيات، وليس من سيكتب حكاية جميلة لأن الحكايات موجودة في كل مكان لكن السؤال هو كيف نضمن هذه الحكاية بسياقها الروائي وكيف نقدم شخصياتها... هذا السؤال القائم هو والملح لديّ دائماً، كيف أكتب؟ وليس ماذا أكتب لأن الموضوعات لديّ كثيرة.
تأكيداً على كلامك أن نص «حارس الخديعة» مازال حتى الآن طازجاً وحيوياً ما هي الأدوات التي تعتمدها لتجعل نصك يعيش دائماً ويتمتع بهذه الراهنية؟
بحسب اعتقادي، إن هذه النصوص لم تخض معركتها مع التاريخ، لأن هناك معركة بين النص والتاريخ عبر الزمن، فهي مازالت تربح معارك صغيرة جزئية، لكني لا أستطيع أن أعرف إذا كانت رواية «مديح الكراهية» سيكون لها الأهمية ذاتها التي تعيشها الآن بعد عشرين عاماً، أو حتى «دفاتر القرباط» أو أي رواية من رواياتي، والحقيقة لاأعرف هل القلق الذي يتبدى لدى الكاتب هو كيف ستبدو أعماله فيما بعد، أنا حقيقة لا أعرف كيف أكتب هذه الأعمال فيما بعد، وليس لديّ وصفة جاهزة أقدمها، لكن هناك شيء أساسي أعرفه بعملي الروائي هو علاقتي مع شخصياتي، فهي علاقة قائمة على الشك والالتباس، وليس لديّ شخصة يقينية، دائماً أتركها تقودني أحياناً، وأحياناً أقودها، هناك حالة من اللعب بالنص الذي حسب اعتقادي هو أساس الابداع، ولا أعرف أي قانون أعتمده لكتابة الرواية، أو أنصح به وأقول هذا قانون الرواية، والشيء الأساسي بالنسبة لي هو الصفحة الأولى، ففي «حارس الخديعة» عندما اكتملت الصفحة الأولى عرفت أنه سيكون لديّ رواية، وهكذا في كل أعمالي... ففي «مديح الكراهية» بقيت ثلاث سنوات بحالة اختبار حتى أنهيت الصفحة الأولى، فقد كتبت سبعين صفحة وبعدها مئة وعشرين صفحة أخرى ومزقتها لأني لم أقتنع أن هذه هي البداية التي ستشكل الرواية، وهذا ما أعرف أنه يشكل أساس العمل الروائي، وكلما كتبت رواية تتولد لديّ أفكار جديدة وتقنيات أخرى مختلفة، وأعود للخبرة التي اكتسبتها في مجمل أعمالي الروائية والدرامية، وأتكىء عليها في تقديم بحثي لأنها تنقذني خلال الصفحات، لكن هذا لا يكفي بالنسبة لي لأني مهموم دائماً بفكرة البحث عن التقنيات.
هل نستطيع القول هنا إن عدم اعتمادك على فكر أيديولوجي في أعمالك هو الذي منح منجزك الروائي هذا الفضاء الحر، وقربه من الواقع، وحرره من أية قيود قد تفرض عليه؟
ربما المكسب الأساسي لجيلنا أننا كتبنا خارج إطار الأيديولوجيات السابقة، وخارج إطار الثقافة الأيديولوجية، لكن في الوقت ذاته كانت هناك خسائر، فنحن كتبنا في زمن عار، كتبنا نصاً في مرحلة لا يوجد فيها من يدعم هذا النص نهائياً، وهذا برأيي أننا بالنهاية سنكسب نحن كروائيين لأننا نكتب بحرية مطلقة، إضافة إلى أننا نستطيع أن نرى المشكلة من عدة زوايا دون هذه النظرة الأحادية التي هي مقتل الأدب دائماً، وتقيد العمل الروائي، وأظن أني محظوظ كوني أتيت بعصر يحمل أسئلة كبرى، خاصة الفترة التي عشناها في الثمانينيات، فنحن أولاد المرحلة الانتقالية في العالم كله، هذه المرحلة التي عادت وطرحت علينا أسئلة عن عمق الوجود، وعمق الحياة، وعمق الذات، يعني الرواية السورية بدأت في الثمانينيات تكتب ذاتها، وهذا ما أراه المكسب الأساسي لجيلنا، لذلك البحث فيه مازال بدائياً، وأعتقد أن نجاحاتنا كجيل تختلف بين شخص وآخر، لكن الميزة الأساسية لكل هذه الكتابة هي فكرة البحث عن الذات وتقديسها، واعتبارها موضوعاً مكتملاً بكليته، ولا داعي إطلاقاً للاتكاء على أيديولوجيات أو حكايات من خارج النص، وهذا مايميز الرواية السورية اليوم.
من هنا هل يمكننا القول إن مفهوم الرواية الجديدة سواء السورية أم العربية بما عملت عليه في تأكيد الذات وتقديسها هو الذي شكل ملامحها وجعلها تخترق المفهوم الروائي السائد ؟
نستطيع القول إنها شكلت هذا النوع الجديد فهي اخترقت تجارب الستينيات والسبعينيات في الرواية السورية، وأعطت نكهة خاصة لفكر هذا الجيل وعلاقته مع الأشياء، فاليوم هناك عناية بالذات وبالحياة بشكل عام، فنحن نكتب على قدر معرفتنا بالحياة وعلاقتنا معها، لذلك اليوم لم تعد الأفكار هي الثابتة، والخبرة هي التي تحكم عملنا، وأن أسئلة الوجود والذات هي التي تحكم النص الروائي السوري، لذلك أعود وأؤكد على أهمية هذه الأسئلة.
هناك ما يطلق عليه مصطلح الرواية الشابة، هل هذه التسمية مرتبطة بأعمار الكتاب أم إنها تعكس فتوة النتاجات الخلاقة وحداثتها الفنية واللغوية على مستوى الشكل والمضمون بعيداً عن العمر الزمني؟
أنا أستغرب هذا المصطلح، فأنا أول مرة نشرت نصوصي كان عمري أربعة عشر عاماً بصفحة أدب الشباب، وأرى الرواية خارج هذه التصنيفات، فهي إما أن تكون، رواية أو لا تكون سواء كتبها شاب عمره عشرون عاماً، أو كتبها رجل في الستين من عمره، وهنا أشير إلى أننا شعب مولع بتقديس الأب، فأنا بعمري هذا يجب أن يأخذ نصي أهميته وقيمته بالتزامن مع هذا العمر، يعني كما يقولون تربينا على أن الأب يقول الحكمة، بينما أعرف الكثير من الآباء يتحدثون ويتصرفون بحماقة ولا يستحقون لقب الأب، وحتى فكرة تقديس الأم لا أؤمن بها، فنحن على ما يبدو مجتمع بحاجة لأن يراجع كل مفرداته، ومفردات حياته اليومية حتى نكون مجتمعاً أقرب إلى تحقيق ذاته، لأن الانسان لايمكن أن يحقق ذاته ويتصالح معها إذا لم يخض الصراع معها، بمعنى أن يتحرر من خوفه من نصه ومن الآخرين، وهذا ينطبق على البشر جميعهم وليس على الروائي فقط، لذلك أستغرب وجود مصطلح كهذا خاصة في الرواية.
من هنا رفضت تصنيفك ضمن الجيل الشاب، وقد استشهدت بتجربة الرئيس الروسي، وبالوقت نفسه أشرت في حوارك حول الجوائز أن ماركيز حصل على نوبل في سن الخامسة والأربعين أي أنه كان شاباً؟
نحن نتحدث عن العمر بيولوجياً، فالإنسان عندما يكون عمره ثلاثين، يكون شاباً، وفي الأربعين يصبح كهلاً وهكذا يمتد العمر، وحديثي عن ماركيز كان عن مقارنة بالأسماء التي حازت جائزة بالسبعين والثمانين مثل «ليسينغ» والقصد هنا أن نقول إن الجوائز الكبرى لا تمنح إلا على مجمل الانجاز، والرواية فن صعب يحتاج لخبرات الحياة الكثيرة، حتى تكتب بشكل عميق، هذا أولاً، والأمر الآخر أن هناك شعراء عظماء مثل رامبو في سن الثامنة عشرة قدم إنجازه الشعري، لكن في مجال الرواية لا يوجد شاب قدم رواية عظيمة في سن الثامنة عشرة، فالرواية لها علاقة مع الحياة ومع العيش وهذا شرط أساسي بالنسبة للكتابة العميقة، بينما في الفنون الأخرى المسألة تختلف، فقد نرى موسيقياً أو رساماً متميزاً بأعمار صغيرة، لكن لمن حصل على نوبل الأمر يختلف، وقد أكون محظوظاً أني كتبت هذه الأعمال بهذا العمر، وربما في السنوات المقبلة أكتب أشياء أكثر عمقاً، هذا طي المجهول لكن ما أعرفه أني عندما أنتهي من كتاب يموت بالنسبة لي، فأنا لاأستطيع قراءة كتبي، وبعد أن تطبع أنساها تماماً، والأمر ذاته ينطبق على الشخصيات.
هل هذه حالة هروب أم عدم رضا؟
أبداً ليست عدم رضا، ولو أنه أحد الجوانب الأساسية لأني أكره كتبي، دون أن أعرف السبب، وما أعرفه أنه عمل انتهى بالنسبة لي... وقت الكتابة فقط هو الممتع بالنسبة لي، ولا أفرج عن الكتاب للطبع إلا بعد أن أصل لمرحلة عدم القدرة على قراءته مرة أخرى، عندها أتيقن من انتهائه وإرساله إلى المطبعة، ونشر الكتاب حدث مهم وكبير بالنسبة لي، حتى أني أصاب بنوع من الغيبوبة في حالة الفصل ما بين مرحلة النشر ومرحلة صدور الكتاب، وأبقى قلقاً حتى يصدر، فيصبح نصاً ميتاً ربما يولد في مكان آخر من خلال القراءة، وهذه علاقتي مع كتبي بكل صدق.
ما هو دور الزمن في كتاباتك؟ هل تضعه باعتبارك أثناء الكتابة؟
أنا أكتب براحتي، والزمن مفتوح لديّ، ولا أستطيع الارتباط بزمن وخاصة في الرواية، فأنا كاتب محترف سواء في الرواية أم في الدراما، أكتب بشكل يومي، وعملي يخضع لمسودة أبعدها عني لفترة ثم أعود وأشتغل على نصي، ومع ذلك نصي يذهب للمطبعة وهو لم يكتمل علماً أنه لا يوجد هناك نص مكتمل.
هل تشعر خلال الكتابة بانحيازك لشخصية على حساب الشخصيات الأخرى في أعمالك؟
الشخصيات التي أنحاز إليها خاسرة على الدوام، لأنه في أحيان كثيرة الدلال الزائد يؤدي إلى فساد الشخصية، إذ أنها تأخذ من حق الشخصيات الأخرى، لذلك أؤكد هنا على فكرة أن كتابة الرواية هي تمرين على الديمقراطية، لأنه مطلوب من الكاتب أن يسمح للشخصيات كلها بالتعبير عن ذاتها، وأنحاز فعلاً للشخصيات بعد صدور الكتاب وليس أثناء الكتابة، لأنها قد تهزم الشخصيات التي كنت قد قررت كتابتها، وهذه الشخصيات غالباً ما تكون مفاجئة، ويكون لديها ماض مدهش، وهذه الشخصيات أنا أخترعها، كشخصية عبد الله في « مديح الكراهية» هي شخصية مفاجئة وكان هناك أكثر من خمسين خياراً لماضيها، وأنا لم أحتر أبداً بل ذهبت مباشرة للخيار القريب للشخصية، فهذه هي الشخصيات التي أحبها، وأحب أن أكتبها، وهذه الشخصيات أساسية ووجودها في الرواية مخطط له، لكنها ظهرت بأسلوب آخر، وهنا تكمن متعة الكتابة، فأنا أكتب لأستمتع، وأقول دائماً: لو أنني أرى متعة أخرى في مهنة غير الكتابة لكنت امتهنتها وتركت الكتابة بلا أسف أو ندم.
ما هو حضور المتلقي لديك خلال الكتابة سواء في كتابة الرواية أم الدراما؟
أولاً أنا لا أفكر بالمتلقي ولا أدعه يحضر أثناء الكتابة لا في الرواية ولا في الدراما، لأنه لا ينقصني رقيب آخر، الأمر الآخر إذا تحدثنا في موضوع الدراما السورية نرى أن ما يهددها هو التفكير بالمتلقي، والقصد أننا نحن أسياد المهنة (الكاتب والمخرج والممثل) ونحن الذين نقول للمتلقي ماذا يرى إذا قدمناه له بشكل ممتع، بينما ما يحصل الآن هو الخضوع لمجموعة أفكار متخلفة من قبل متلقين متخلفين، فشركات الانتاج تحكمها مقولة إن الجمهور يريد هذا، وأنا من أنصار أن المبدع هو الذي يحدد ماذا يقدم، فالجمهور يحب العمل الجيد، واليوم نعيش معركة أفكار كبيرة بالدراما، فكلما تقدمنا خطوة، يأتي من يهزمنا عشرات الخطوات، وهذا الكلام يحمل خطورة كبيرة، فالهدم أسهل بكثير من البناء، ونحن نخسر معاركنا نتيجة أننا نتابع أعمالنا، ونطرح حوارات حول الأعمال الجيدة، فمثلاً هذا العام اقتصرت استطلاعات الرأي على الأعمال العادية التي لم تقدم جديداً، ولم تقترب من الأعمال التي تحمل فكراً ومتعة، فمثلاً مسلسل « ليس سراباً» هو بالمطلق أفضل عمل عربياً وليس سورياً فقط، على صعيد الكتابة والإخراج والتمثيل، وباعتقادي أنه حصل تلاعب باستفتاءات الجمهور لابراز أعمال معينة، وأنا واحد من الجمهور لم يستفتن أحد، ومن حقي أن أقول الحقيقة، بأن الذين اشتغلوا في «ليس سراباً» طرحوا إشكالات تمس الواقع السوري والعربي كاملاً ولم يأخذ حقه في الاستفتاء، لذلك أقول: إن معركتنا كبيرة في هذا المجال.
هل طُرح عليك موضوع تقديم رواياتك للدراما؟ وهل توافق على فكرة كهذه؟
وأنا على قيد الحياة لن أسمح بهذا الأمر، لأنني ببساطة لا أرغب بخسارة أحلامي، وأرغب أن يرى الناس ما أقدمه عبر الرواية فقط.
هل سبب رفضك يعود إلى أن العمل الأدبي يفقد قيمته الأدبية بتحويله إلى دراما؟
بشروط الإنتاج القائمة اليوم لا يمكن لأي عمل أدبي أن يحافظ على قيمته الأدبية، وحتى يبقى ويحافظ على هذه القيمة ويكون عملاً مهماً، يجب أن تتوفر ظروف متكاملة، وبالنسبة لأعمالي فأنا أجوائي غير شعبية، ورواياتي لا تصلح للدراما التلفزيونية، ربما السينما تكون أقرب، ومن وجهة نظري ليس من داع لتحويل أي نص روائي إلى عمل تلفزيوني لأن هوية الرواية هي الأدب، وليس الدراما، إلا إذا كانت هناك عروض مغرية ومضمونة أن هذا العمل ينتج ويخرج بشكل لائق.
بماذا تختلف كتابتك للرواية عن كتابتك للدراما من حيث تقنية الكتابة؟
لا يوجد أي شبه بينهما، فالرواية فن مختلف عن الدراما، هما يشتركان في الحكاية والشخصيات، لكن طريقة البناء والشغل مختلفة، ففي الدراما حياتي ثابتة، بمعنى أن مفاجآتها قليلة، والآن لم أعد أستمتع كما السابق حيث كنت أستمتع عندما تظهر شخصيات مهمة، لكن الموضوع أخذ طابعاً روتينياً، وبالنسبة للرواية الموضوع مختلف تماماً، فكرة التحدي مختلفة، فعندما أنجز عشر صفحات في الرواية، أشعر أني بذلت جهداً كبيراً، وهناك صعوبة حتى أرضى عن هذه الصفحات، لذلك الكتابة للدراما أسهل بكثير من كتابة الرواية.
وأيهما أقرب إلى خالد الكاتب التلفزيوني، أم الروائي؟
أنا أعتبر كاتب الرواية أقرب لشخصيتي، لكني أيضاً أحب الدراما، وأحب اللعب فيها، واليوم أحبها أكثر من البدايات حيث كان الهدف من كتابة الدراما مادياً، اليوم أرى أن هذا الفن فضاء مفتوح للعب والاستمتاع والكتابة العميقة، وللتعبير عن مجموعة من الأفكار تخص قطاعاً كبيراً قد يختلف معي ولا يقبلني، وليس من الضرورة أن يقبلني، لكنه إذا اختلف معي فإن هذا الاختلاف يأخذ شكلاً حضارياً، فأنا الآن أحب الدراما وأعمل فيها باسترخاء، والأفكار التي تقولها الدراما تختلف عن الأفكار التي تقولها الرواية بحكم اختلاف الفنين، وأنا مقتنع أنه لا يمكن كتابة رواية عن حدث آني، لأن فكرة تأمل صورة الحدث وحقائقه تفيد في الدراما، وماوراء صورة الحدث يشكل أساساً للرواية.
في «دفاتر القرباط» اعتمدت أسلوباً مغامراً وجريئاً، ألم تضع في حسابك عدم نجاح المغامرة والفشل في تحقيق ماتصورته ورغبت فيه؟
دائماً أضع بحسابي عدم نجاح المغامرة، ولو أنها ليست مغامرة بل هي أكبر قليلاً من المغامرة، ففكرة أن أقدم اقتراحاً جديداً أعرف أنه يتلاقى مع مجموعة مدارس أو مجموعة روايات، أو أساليب، لكن أقول يمكن أن أفشل ببساطة مع أني حتى الآن لا أعرف إذا نجح أم فشل، لأنه حتى الآن لم تدرس حياة الرواية بين الروايات، وما كتب عنها مجرد انطباعات صحفية، ولم تكتب عنها بحوث معمقة، والبحث الوحيد الذي كتب عن رواية «حارس الخديعة» قدمته باحثة إيطالية، ربما السبب أن العمل لم يتوفر بالسوق لفترة، والآن هناك طبعة جديدة، وأنا على يقين أنه سيقرأ كما لو أني انتهيت من كتابته الآن، وكذلك «دفاتر القرباط» لم يتم بحث تقنياتها حتى الآن.
وبماذا تبرر غياب النقد؟
يمكن لازم «نختير» شوي، لازم نكبر ونصير بعمر الستين حتى تحظى أعمالنا بالانتباه، وبالنهاية كل إنسان له مشروعه، ويجب أن يكون هناك حركة نقدية كاملة يفترض أن تواكب جيلاً بكامله، فنحن جيل بلا نقاد، ليس لدينا نقاد من جيلنا، وأعتقد أن الخلل الأساسي يكمن بجيلنا، فهناك جيل كامل من كتاب وروائيين وشعراء ونقاد وصحفيين يشكلون حساسية خاصة، وحتى الآن النقاد الموجودون من جيلنا يذهبون للأمكنة المأمونة والمضمونة، فأنا قبل عشر سنوات لم أكن شخصاً مضموناً لأي ناقد يمكن أن ينشر بحثه عن رواياتي، ربما الآن أصبحت «ربع مضمون».
بعد الجائزة مثلاً؟
لا ليس بعد الجائزة، لكن بعد «مديح الكراهية» ربما أصبحت كما قلت لك ربع مضمون أن ينشر ناقد ما بحثه عني في مجلة أكاديمية عريقة، أو مجلة مهمة، لكن أعتقد أن هذا الكلام موجود عند العرب فقط، فمسألة غياب النقد تزيدنا توتراً وحدّة كجيل تجاه النقد وبسبب هذا الغياب تحولنا جميعاً لطغاة صغار يجب أن نتلقى المديح دائماً، بعيداً عن أي سلبية قد توجه للعمل، وهذا الأمر خطير جداً، وأحد أهم أسبابه هو غياب النقد، وأظن أن الناقد الذي يغامر بنقد إنتاج جيلنا بشكل حقيقي لن ينجو من التهديدات.
ماذا حققت الجائزة لخالد؟ وماذا أضافت؟
أنا لن أقدم نفسي للروائيين العرب على أني روائي، فأنا ربما معروف في سورية مثلاً، ولم أكن معروفاً في الجزائر أو مصر وغيرها من الدول الأخرى، وهذا أحد أهم مكاسب «بوكر» والشيء الأساسي هو أن علاقتي بالجوائز ضعيفة، وهذه أول تعامل مباشر مع الجوائز، وكيف تتم الأمور، فالفكرة غريبة وتجربتي معها جديدة، وهناك شيء هام جداً وبغاية الحساسية والغرابة قدمته لي «بوكر» هو أني أعدت اكتشاف ذاتي ضمن وسطي الأدبي، أعدت اكتشاف علاقاتي، وهذا أكد لي أمراً بغاية الحزن أننا نحن السوريين شعب لايحب الخير لنفسه، فقد اكتشفت أن الرواية السورية بلا جوائز على الاطلاق، ونحن نستحق أكثر بكثير، والأمر المهم أن الثقافة لاتتحقق بشكل إفرادي، فأنا لاأستطيع أن أشتغل وحدي حتى أكون متميزاً، ونحن جميعاً كروائيين إذا لم نتفق معاً لن نستطيع تشكيل حركة روائية سورية تكون جزءاً أساسياً من الحركة الروائية العربية، بعيداً عن الشوفينية، وبعيداً عن فكرة أننا سوريون وهناك آخر مصري، وليبي، والحقيقة التي يجب أن نركز عليها أن كل الناس تفكر بنفسها أولاً، ومن ثم تفكر بالآخرين، ونحن بالعكس نفكر بالآخر ثم نفكر بذاتنا، وأنا أتمنى إذا ذهب أي كاتب سوري للمكان الذي كنت أنا فيه ذات يوم، أتمنى من الأصدقاء أن يؤجلوا نقدهم لما بعد النتائج، وأن يتمهلوا في شحذ سكاكينهم لأننا أصبحنا بحاجة إلى أي جائزة يحصل عليها روائي سوري من أبناء جيلي أو أي روائي سوري آخر، فنحن لدينا رواية مهمة ومتميزة لكنها بلا جوائز، أي من دون اعتراف رسمي من الآخر، ونحن لدينا جمهور قوي، لكننا نحتاج لخطوة مقبلة هامة هي أن نحب بعضنا بشكل صادق وحقيقي بعيداً عن الكذب والنفاق، ونقبل بعدها الحقيقة أي أن نقول حقائق ونبتعد عن فكرة محبة الآخر أكثر من أنفسنا، وهذا ليس عيباً.
بالنسبة للدراما تجربتك بدأت مع «سيرة آل الجلالي» الذي يراه كثيرون أهم عمل قدمته، بينما حسب نسبة المشاهدة والعرض أرى أن «قوس قزح» بقي حاضراً في وجدان المتلقي أكثر، أنت ككاتب لهذه الأعمال أي عمل تشعر أنه المحطة الأهم في تجربتك الدرامية؟
أوافقك الرأي بأن «قوس قزح» هو الأهم وأنا مصمم على ذلك، فهذا عمل مكتوب بالمائي، وهذه أصعب أنواع الكتابة، يعني عمل مائي كهذا من الصعب رؤيته، وإذا رأيته من الصعب نسيانه، أنا ما زلت حتى الآن متحيزاً لهذا العمل، ولهذا النوع من الدراما، وأسعد جداً كلما سمعت رأياً بخصوص هذا العمل، وتلفتني حساسية المتلقي بأن هذا العمل الشفاف استطاع بكل بساطته أن يترك هذا الأثر العميق والانساني في وجدان المشاهدين.
ومار أيك بمقولة أن الدراما السورية رغم ما حققته من حضور هي دراما ارتجالية؟
أوافق الرأي مئة بالمئة، لأنه بالمصادفة يظهر عمل مكتمل العناصر الفنية، ودائماً نظل مرهونين لفكرة السرعة بالإنتاج واللحاق بموسم رمضان، فأصحاب شركات الإنتاج بآخر لحظة يتذكرون أنه يجب أن ينتجوا، وحينها يكون الممثلون جميعهم مرتبطين، ودائماً يأتي رمضان وهناك أعمال قيد التصوير، فالأمور تتم دون تخطيط، وهذا ينعكس سلباً على العمل الدرامي.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة