السبت, 3 كانون الأول 2022
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 42 تاريخ 1/11/2008 > هدى بركات... شهرزاد الحكاية...أو الكتابة بوصفها مغامرة
هدى بركات... شهرزاد الحكاية...أو الكتابة بوصفها مغامرة
جهينة- أحمد علي هلال:

تنتمي الروائية اللبنانية هدى بركات، إلى جيل من روائيات عربيات كتبن عن الحرب وأهوالها، واحدة منهن على الأقل هي حنان الشيخ، لكن اللافت، تأسيسهن لخطاب روائي وإبداعي جديد، وبحساسية مختلفة، على مستوى تاريخ الرواية العربية التي كتبتها المرأة، وعلى مستوى الرؤية الجديدة، فنياً وأسلوبياً، مع فارق جوهري هو أن الحرب لا تظهر في روايات هدى بركات بتفاصيلها، إنما تظهر كخلفية وأبعاد تصوغ المصائر، وتدفع سؤال الموت إلى ذروته متماهياً بتقاسيم الرغبة والشغف، وتراجيديا الخوف والعنف الداخلي، الذي يقود مغامرة الكتابة، المتخففة من صرامة القواعد، إلى حرية النص واكتشافه، ليكتشف بدوره الذات والآخر والعالم، بعيداً عن توسل الحوامل الأيديولوجية وأقنعتها، لتقف هدى بركات على المسافة الباذخة بالهواجس والتوجس من شبح الحرب.

جدلية التجربة والحياة...
منذ بداية وعيها بالحياة والعالم، ظهرت تجليات ثقافتها وقراءاتها العميقة بفضل ما وفرته لها بيئتها الطبيعية «بشرّي»، والاجتماعية من عوامل ذاتية وموضوعية، بل إن بحثها عن الاختلاف والتميز لإيجاد مساحة لصوتها كإمرأة مبدعة، جعلها تمتنع عن النشر والكتابة وتخافهما لتدخل ذلك العالم المليء بأسرار المغامرة – الرواية- في سن متأخرة، وهي تمتلك انطباعاً، بأن أي إضافة ستكون محض مغامرة، بل تنطوي على مخاطر.. فقد كانت كما تقول «تستهول» تقديم ما تكتب إلى القراء، فزوجها كان شاعراً مشهوراً، والأديب اللبناني المعروف جبران خليل جبران، هو ابن بلدتها «بشرّي»، وعلى الأرجح أن المسكونة بالإبداع ستجيد العبور في الحياة كما في الكتابة، لتجعل من «فوبيا» الحرب نزوعاً روائياً ومشروعاً سيكتمل بتجربتها، أي وعي المسافة ما بين الواقع أو عدم القبول به، فثمة واقعية تنمو على حواف المتخيل، بوصفه واقعاً جديداً يختزن كيمياء الحب، وفلسفة الحوار مع الذات والآخر، سعياً للتطهر من استيهامات الحرب، وتأملاً في وعي شقي، جعلها تكتشف أنها كائن أعنف بكثير مما يمكن تبريره أخلاقياً، ولأجل ذلك يستمر الصراع داخلها، عندما تفكر بذاتها.

سيرة روائية..
بدأت هدى بركات النشر في منتصف الثمانينيات، بمجموعة قصصية هي «الزائرات»، ولتكتب بعد خمس سنوات روايتها الشهيرة «حجر الضحك» مكثفة فيها بحثها عن الشرط الإنساني، وعن حقيقة واقع المرأة الاجتماعي، تدخل وتتوغل في تلك المساحات المجهولة والمعروفة بآن، وتتسرب في مسارب ذاكرة استرجاعية، تبرع في تقانات روائية، مصوّرة رعب الحرب الأهلية اللبنانية، من خلال رموز واستعارات دالة، مناهضة عسف الواقع وخواءه من القضايا الكبرى، تفصح عن هويتها كإمرأة كاتبة «وغاب خليل، صار ذكراً يضحك، وأنا بقيت امرأة تكتب»، فحريتها ألا تكون وراء حدود جنسها، وهي ليست بعيدة عن اللعبة الروائية.
وتأتي روايتها «أهل الهوى» بفصولها الثلاثة وخاتمتها، أقرب إلى نص طويل بضمير المتكلم، بلغته ومجازه الشعري، يحكي عن الخوف في حدوده القصوى، متلازماً مع العنف، وبتلك الغلالة الشفيفة من العشق، في الامتلاء والخواء وبشغف بتلك الكيمياء العجيبة التي تؤلف ما بين حيوات الشخصيات، وتدفعها لتجربة الأقاصي والأعماق، ثمة أسلوب جريء، واستعارات ثقافية، جعلت البعض يراها بأنها «اللارواية»، نظراً لاستغراقها في ما يشبه المسكوت عنه وخرقها لتابو الجسد، بمعنى تجاوزها لتجهر بثنائية الروح والجسد، وهي جعلت من الجسد دالاً روائياً، عبر تقنية الوصف، والمنولوج واجتراح فلسفة موازية لهواجس البطل، حيث مغامرة بلا ضفاف باتجاه ما يوازي الحياة الحقيقية، لكن لا حدود لتلك المغامرة التي طرحت على النقد أسئلة حول طبيعة الذاكرة التي تؤلف وتماهي، خارج أسئلة الهوية الجنسية التي تتغير، ومشروعية الذهاب إلى الأماكن السوداء التي تشي بها الرواية، تعترف هدى بركات بازدياد رعبها حالما خلصت من كتابة روايتها، وأنها لتلك الدرجة قادرة على الذهاب لتلك الأماكن السوداء؟! وبأن شخصية روايتها «أهل الهوى» لم تتركها، بل ألحت عليها بوجودها، ببداية الكتابة كما في نهايتها، تلك هي معادلة الاكتشاف والتشابه وغياب اليقين، والخاص والعام «نتشابه في خروج أجسادنا منا. في تردد أعيننا عن الرؤية وفي تجنبها الضوء والوضوح».

مفارقة؟
لهدى بركات إشكالية مع النقد، ولاسيما الذي يحاول أن يحدد شروط الإبداع ومعاييره وهي تشكو ندرة انتباه النقاد لها، من العرب، ومن المفارقة أن يلتفت لأدبها النقاد الغربيون، الذين رصدوا عذابات شخصياتها وأبطالها الذكور، فهي من يحدد المكون الأخلاقي لأسئلتهم من أين نأتي بقوتنا، ومكاننا في العالم فقط- كما تقول هدى بركات- إذا كنا مصرين على العيش ولدينا قدرة على بلوغ الهدف.
وحقيقة الجانب الأخلاقي الذي يشغل الروائية هدى بركات في معظم رواياتها، هو ما اكتشفه النقاد الغربيون، بعد ترجمة رواياتها، أي نظام القيم الأخلاقي الذي تربينا عليه وبدأ ينهار.
تقول هدى بركات: «نحن موجودون في فترة حرجة من تاريخ البشرية، الحروب هي حجة المجتمعات المنفلتة من القيم» فالحرب في روايتها الأولى حجر الضحك وغيرها كانت مختبراً لمجتمعها الذي يقوم على إلغاء الأخر والعنف في مختلف صوره، حتى أن لها رأياً مثيراً للانتباه، تقول هدى بركات: لو خيّرت في تربيتي لابني، بين أن يكون جلاداً أو ضحية، لاخترت له دور الجلاد، كي لا يكون الجانب الضعيف في مجتمعات لا تمنحنا سوى هكذا خيارات، مرت البشرية كلها في هذا الطور وعلينا أن نرصد تحولاتنا.

بحثاً عن المكان..
في روايتها حارث المياه، تبرز بيروت كمسرح يعبث فيه الخراب والحرب، تعيش الكاتبة نوعاً من العذابات والوحشة والعزلة المرعبة، من خلال شخصية حائرة تحاول الوصول إلى براءة ما، إذ يبني البطل عالماً خاصاً به، في خرائب وسط بيروت، يلوذ بمكانه كما لو كان مكانه السّري، الافتراضي، هكذا تبني نماذج أبطالها، كما في أهل الهوى حيث يفكر البطل بالقتل ويحلم به، وفي سيدي وحبيبي روايتها الأخرى يمضي البطل بجوار تاريخه «كميليشياوي»، ويتساءل عن الإنسان الذي هو بشكل جدّي وملّح، إن إشكالية أبطالها، هي ذهاب أقصى حدود اللعبة الروائية، التي ستمكنها، أي الروائية، من أن تكتشف بواسطة الحرب أبعاداً حياتية، لما عمله الإنسان وليس ذلك فحسب، بل من خلال الآداب الكبيرة، والحروب العالمية، واضطهاد البشر للبشر، الحرب التي هشمت الأحلام، وحوّلت اللون الزهري الذي حلمت به إلى نوع من الرماد. وتذهب للقول أيضاً، في بحثها عن المكان الافتراضي: كل من لديه حس بالشرط البشري، لا يستطيع المكوث في وطن محدد. فهل فضّلت الإقامة في باريس، إخلاصاً لفهمها ذلك الشرط، وهي لم تكن تشعر في حياتها الشخصية بأن معاناة المرأة أكبر من معاناة الرجل خلال السنوات الأولى للحرب الأهلية، فقد رأت أن الثقل الحقيقي لمشاكل الحياة، يقع على عاتق الرجل، فهو ملزم بالدفاع عن عائلته، وأنه ليس حراً في خياراته، بل هو مسخّر من أجل الآخرين، وهذا ما أدركته من عذابات أبيها وأخيها خلال الحرب.
بيروت باريس وبالعكس..
في باريس تستكمل مشروعها الروائي، ويحلو لها أن تتنقل في منازل نصوصها وهي لم تختر باريس، لأنها لم تغادر بيروت، لتجرّب نوعاّ من الإحساس بالعبور ولتقيم بمسافة بين مكانين، ولتطل من شرفتها الباريسية على بيروت متخففة من «أوزانها» وهناك في هجرتها تتأمل وتكتب، تتأمل في ألبومات الصور التي التقطت في بلدها، تبحث عن شيء غامض، سوى الشجن والحنين، يجعل من صورها عصيّة على الاندراج في خانة الذكريات المختلفة، عصيّة على التصنيف بحسب ما تملي مناسبات الماضي، وما يرتبط من لحظات مثيرة للمشاعر كما تقول الروائية هدى بركات..
وهي تتوزع بإبداعها على خارطة الرواية، التي أنجزت منها في فضائها الباريسي ما يجعل منها علامات روائية كحارث المياه وغيرها. وهي تحمل أماكنها كما شخصياتها، بحثاً عن الهارموني ما بين أمكنة الإقامة وأمكنة العبور، وبهاجس إضافي هو أن الكتابة النسائية قد استنفدت، وهي من الجيل الذي أتى بعد ليلى بعلبكي وغادة السمان، لكنها لا تقلل من أهمية الكتابات التي تطرقت للمرأة، مع اعترافها بأن الكتابات «النسوية» قد تحولت إلى كتابات أيديولوجية، أكثر منها بحثاً في الشرط الإنساني.

عبور مغامر وخلاّق..
هدى بركات تكتب عن الرجال الذين تلتقيهم في هوامش نهاراتها وتحتفظ بصورة قد تراها مهزوزة، مرتجة الخطوط.. كاذبة، ولا يشقيها غياب الدقة أو الوضوح عن تلك الصور إذ الغياب سيتيح لها أن تخترع اللقاءات فتستثمر الخيال في فضاء رواياتها المحكومة بهاجس رئيسي، وبالميل إلى التشكيل دون أن تدّعي بلاغة جاهزة في استعاراتها من الواقع أو المتخيل أو دمجهما معاً، بحيث تتراءى لمن يقرأها تلك الثنائيات أو التعددية في السلوك والرغبات والرؤى والأحلام، هي تلك الشخصيات التي تكتبها أو تخلقها وتدفع بها إلى التعرية في أمكنة كاشفة، حينما تصوغ مصائرها، وبذلك هي تختبر وتجرب ماذا سيحدث؟! في ضوء اكتشافها لفظاعة هذا الكائن البشري من خلال الحرب.
هدى بركات، هي سؤال الجرأة والمغامرة، والاختلاف، حارسة السر، صاحبة العبور، المتوحدة، وعندما تحترق أجنحتها، تصبح أكثر غنى في اعتبار تجربتها مشروعاً للتحقق، فتجربتها الروائية في الحب أغنى بكثير من حياتها التي تراها أنها تنطوي على الملل ولا تستحوذ على اهتمام أحد، وشغفها بالكتابة هو معادل نقص الحب في حياتها، واستحالة تحقق الحلم به، بل يصبح لمفهومه وقع أكبر، عندما ينتقل الإحساس بالطبيعة والأشياء إلى نحو مختلف.. هذا ما يفصح عنه عبورها المغامر والمبدع في نصوص روائية لافتة وفي أمكنة مختلفة أيضاً، لتثبث أنها سيدة مهنة بامتياز...

سطور وعناوين..

نالت هدى بركات العديد من الجوائز منها جائزة مجلة الناقد للرواية عام 1990 عن روايتها «حجر الضحك»، وجائزة نجيب محفوظ للأدب الروائي عام 2000 التي تقدمها الجامعة الأمريكية في القاهرة لأفضل عمل روائي منشور باللغة العربية عن روايتها «حارث المياه». كما منحتها فرنسا وسام الاستحقاق الوطني من رتبة فارس لقاء إبداعاتها في الأدب والصحافة كما منحت وسام وزارة الثقافة للفنون والآداب عام 2004.
وعلقت على منحها الوسام: فرحي كبير، إن من يكتب باللغة العربية، يشعر بأنه ليس في متن الحياة الثقافية في فرنسا، لكن منح الوسام لمن يكتبون بلغات أخرى غير الفرنسية، يعطي دفعاً معنوياً كبيراً.
لها ست مؤلفات ومسرحية تحت الطبع ومشاركات في كتب جماعية، وترجمت كتبها إلى أكثر من 14 لغة أجنبية منها الفرنسية والانكليزية والألمانية.
فازت بجائزة «أمالفي» في إيطاليا عن أفضل كتاب مترجم إلى الإيطالية من بين لغات المتوسط.
تخجل من الحديث عن خساراتها الشخصية، وتشتاق لضيعتها وتقول: إن بيروت لم تبق هي ذاتها.
تدور أحداث رواياتها في لبنان، وهي تكتب بالعربية وشخصياتها لبنانية، والتجارب والحوادث التي ترويها ليست تجاربها ولا الشخصيات تشبهها، إنما هي عالقة في عالم الخيال.
تعترف دائماً أن حياتها الحقيقية مملة وشحيحة.
أقامت في باريس منذ سنوات طويلة مع ابنيها وأحلامها وصورها وذكرياتها.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة