السبت, 3 كانون الأول 2022
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 74 تاريخ 15/11/2014 > الكاتبة سلوى الرفاعي: وجودي في سورية حمى روحي الوطنية الفلسطينية
الكاتبة سلوى الرفاعي: وجودي في سورية حمى روحي الوطنية الفلسطينية
"عاشقة".. المفردة التي تختصر فيها حياتها، بعشق تكتب عن مكانها.. أحلامها.. الحب والهموم.. الأفراح والأحزان.. إنها تقترف العشق بفخر، فإلى اليوم لاتزال تركض غزالات طفولتها في براري صفد، حيث فكت والدتها وقبل جدتها وكل إناث فلسطين جدائلهن تاركات للريح أن ترتب فوضى أحلامهن.. تدخلك عالم حكايتها.. وفجأة تقع في فخ غواية نصها.. هذه حكايتي بكل بساطة.. هذه حيوات أهلي، والعطر الذي يفوح من كلماتي هو عطر فلسطين.. ستقرأ سورية كما فلسطين.. وطنان في وطن.. بدءاً من مجموعتها "بقعة ضوء في الرماد" فـ"دمي يزهر في راحتك" وليس انتهاء بمجموعتها القصصية "دنيا"، إذ تخبرنا بخجل وغنج تلك الطفلة "صوتها مغرق بالطفولة" التي حرصت ألا تغادر شرنقتها أنها تعيش الآن مع أبطال روايتها.. يشعلون حرائق الذاكرة لتفيض بخوراً. إنها الكاتبة القصصية السورية الفلسطينية سلوى الرفاعي في حديث من القلب تمطر به مجلة "جهينة":‏



رواية وذاكرة..؟
وحدها الكتابة تطعِّم الذاكرة بترياق الحياة، ويستعيد صوت الجد، الجدة، رائحة الشجر المغتسل بالمطر، حتى حجارة الدروب البعيدة حياتها مع رائحة الحبر وهو يعانق الورق، هلاّ أمطرتنا ببعض الذكريات؟.
ما زال صوت جدتي وهي تخبرنا عن فلسطين يرنّ في رأسي: تحمّلنا الحصار والقهر.. هرب الثوار إلى الجبال.. تحمّلنا بعدهم والجوع، واكتفينا بما جادت به الأرض من خيرات، لكن هربنا.. خفنا عندما انفجرت براميل البارود في ساحة البلد وكنا نائمين، وجدكم مريض وقد وضعنا على صدره لوح الصبار المقشور كي يشفى.. الانفجار أوقف الجميع على أقدامهم والتصقنا بالجدران عدا الرضيع ظل ممدداً على الأرض.
لبس جدكم معطفه على اللحم وركض ليتفقد الحرس حول البلد "كان مع الثوار كما تعلمون"، وجد محمد حامد مطروحاً على الأرض وبارودة أبو ياسين كانت تصفر وأبو خليل كان معه بارودة خردق لا تصلح لصيد العصافير ومع ذلك كانوا جاهزين لكي يصمدوا.
لتكمل أمي بصوت يمطرك بكل أحزان الأرض: كنت حافية لكني حملت معي كتاب العلوم للصف الخامس "كنت أحبه" وكذلك أخي الرضيع الذي نسيته جدتك، عدت للبيت لإحضاره وكان اليهود قد وصلوا إلى مشارف بيتنا، كنت أتعلم في مدرسة بصفد وتفوقت على بنات صفد، وآخذها الأولى وأحلم أن أصير معلمة.
تتابع أمي: كنّا نختبئ أنا وعمتك تحت أغصان التينة الكبيرة المعرشة في الحاكورة، كانت أغصانها تصل إلى الأرض. مرة اختبأت مع خطيبها وخطف منها قبلة. استعرت هذه التينة وأهديتها لفوز وسالم في روايتي التي أقوم بكتابتها الآن. وصارت ستراً وملاذاً لحبهما المجنون ضمّت أفراحهما وأحزانهما، وأكسبها الحب قداسة من نوع مختلف. أذكر في الرواية على لسان فوز إحدى الشخصيات قولها عن شجرة التين: "هنا يا زينب تحت أغصان هذه الشجرة أطعمني سالم أولى ثمرات العسل، وعلى هذا الجذع أسندنا رأسينا نعدّ النجوم مدهوشين ببريقها وشهبها التي تحرق الشياطين أولئك الملاعين الذين يجرؤون على الاقتراب من السماء للتنصّت على ما يخطه قلم الحق. هنا يا زينب تحولت ورقات هذه التينة إلى ستر وغطاء لتوهج لحظاتنا وانطفاء جمرات رغباتنا وأهوائنا".

النضال والسياسة معادل لعودة الوطن
يختزن صوتك فيضاً من الطفولة، وعندما بحثت في جوانيات ذاكرتك، تفاجأت بهذه الفتاة الطفلة التي انسحبت وجيلها رويداً رويداً من قصص الجدات المكررة عن البيارات وكروم التين وزيتون فلسطين إلى معسكرات الأشبال ومكاتب الفصائل لتعيش نمطاً فريداً من المشاعر والحياة الجديدة، ماذا تحدثينا عن تجربتك النضالية؟.
غادر أهلي البلاد صحيح، لكنهم لم يتركوها, بل حملوها في رؤوسهم، حتى أن حمد خطاب لم يقبل أن يصدق أنه غادر. ظل يتخيّل أنه يدور في أزقة البلدة يجمع الأغنام ويعيدها في المساء يتحدث أحاديث الضيعة وينتظر المطر كي ينبت العشب، مات وهو يعتقد أنه لم يغادر البلاد أبداً.
آخرون قبلوا أنهم موجودون في المخيم لكنهم اعتبروه وجوداً مؤقتاً إلى حين العودة القريبة، احتفظوا بمفاتيح بيوتهم وأوراق ملكية الأراضي وشهادات الميلاد وصور نادرة بالأبيض والأسود حافظوا عليها ليعودوا ويعلقوها على جدران بيوتهم التي باعتقادهم ما زالت تنتظر، رغم أن معظمهم شاهدها وهي تهدم وتدمر.
نحن الأبناء أحببنا المخيم.. تصمت قليلاً لتتدحرج ذكرياتها كحبات من اللؤلؤ، وبابتسامة تكمل: أراني فتاة شقية، تلعب كرة القدم مع الصبيان والدحل المخبأ في جراب قديم، والسبع بلاطات. الفتاة غالباً ما تكون حافية هي وأقرانها، تلاحق الكلاب والقطط في حارات مخيم اليرموك. المخيم الذي بني على عجل وبأبسط مواد البناء، إذ وزعت وكالة الغوث قطعاً صغيرة ومتساوية من الأرض على العائلات، وكان بيتنا عبارة عن غرفتين صغيرتين ومطبخ وحمام صغير وفسحة صغيرة في الوسط في طرفها بئر مشترك بين بيتنا وبيت الجيران هذا البئر حفره مبروك حفار الآبار والقبور. أما زوجته فقد فتحت في بيتها روضة أطفال كنت إحدى روادها, علمتنا الحساب والقراءة وكانت تبيعنا القضامة على سكر وتضربنا بعصا رفيعة وكنت أخاف منها ومن يدي زوجها.
تكبر الفتاة في معسكرات الأشبال، تفك الكلاشن وتتفوق في تحضير عبوة ناسفة، تنام في المحاضرات التي تتحدث عن التاريخ والجغرافيا في المساء وتستيقظ قبل الفجر لتلعب رياضة الصباح.
من معسكرات الأشبال إلى العمل السياسي في فصائل المقاومة، تنتقل من فصيل إلى فصيل.. تحمل حقيبة المدرسة وتذهب إلى مدارس دمشق توزع المنشورات السياسية وتتكلم في السياسة، بعض الطالبات الدمشقيات يعتقدن أنها تعيش في خيمة، هنّ لا يعرفن المخيم ولا يعرفن أيضاً أن المخيم لم يعد بسيطاً ببيوت طينية وأسقف خشبية واطئة، المخيم صار كتلاً إسمنتية مرعبة شقت بينها شوارع عريضة وعلى جانبيها امتدت الأسواق الضخمة التي اكتسبت شهرة في كل الشام.
الفتاة التي توزع المنشورات السياسية صارت تهرب من المدرسة إلى حارات دمشق القديمة، تعشق ياسمينها وتلتقط أولى شارات الحب ومتعة التخفي في الأزقة المعتمة، تفقد الأخ وابن العم والحبيب الأول "ابن الجيران" في عمان ولبنان في إحدى العمليات الفدائية.

دمشق.. الرحم الدافئ
الذي ضمّ طفولتي وشبابي
في مجموعتك "بقعة ضوء في الرماد" وتحديداً قصة "هدف مؤكد ولكن"، نجد حضوراً للعمل النضالي، إذ تتناولين العمل الفدائي فيحضر أيلول الأسود بجرأة، ماذا أرادت سلوى الرفاعي أن تقول من خلال نصها وهي تستحضر ذاكرة أُريد التعتيم عليها؟.
أرادت القصة أن تقول نحن مجبرون على حمل السلاح نحمله ليس حباً به بل حباً بالحياة. طُردنا من عمان إلى بيروت إلى تونس والسودان إلى كافة بقاع الأرض، لكننا نحمل وطننا في داخلنا، وطننا الذي تحول إلى ذاكرة جماعية واكتسب شيئاً من القداسة. وأن الشاب الذي قاتل في عمان وشارك في الحرب الأهلية في لبنان هو في الواقع إنسان يرغب أن يلبس البيجاما عند النوم، يحب ضوء الشمس ويتأمل الغيوم المقطعة في السماء، هو إنسان يرغب أن يرمي بارودته إلى الشارع حالماً بشمّ رائحة حب من جاره اللبناني الذي كاد أن يرديه, لكنه حالما يدير ظهره ترديه طلقة مجهولة المصدر.
وهذه أنا في "القطارات تسافر في المغيب"، الفتاة الشقية التي كبرت في شوارع المخيم.. عشقت وتزوجت من عشقت، لكن الانكسارات والهزائم المتتالية تتالى ويفشل معها هذا الزواج الذي كان مرتبطاً بالمد الثوري والمقاومة. تقول المرأة في هذه القصة: "من يتصور أن أحمد -نوارة شلتنا- سيصبح أشطر سمسار في حينا، وبسام الذي ما عرف يوماً كيف يعدّ الليرات يرتسم اسمه بالأضواء الملونة على يافطة لبيع الذهب في سوق لوبية. أما وليد فقد تحول إلى ملصق ورقي على جدران المخيم، وسامر خطفته البلاد الغريبة فعشقها، وغادة باعها أبوها لثري من بلاد النفط"!.
تتوالى الحروب والأحداث، حروب لبنان والعراق أحداث فلسطين وانتفاضاتها المتتالية، الأحداث تتفاعل تختلط تتداخل ثم تتسلّل إلى الورق الأبيض لتشكل "بقعة ضوء في الرماد" ودماء تزهر في راحات الأحبة المقيمين والغائبين والذين خطفهم الموت أو المنافي البعيدة "دمي يزهر في راحتك" ومجموعتي "دنيا" تعج بقصص الحب والألم والحنين والتمرد على واقع اجتماعي متخلف. المجموعة تحمل هموم كاتبة تريد أن تقول نفسها بصدق وجرأة وحرية تحكي عن فظاعة السجون أينما كانت وتستعيد ذكريات المخيم وتناقش هموماً يومية بدءاً بلقمة العيش انتهاء بالعولمة ومشاكل الكون.
هموم شكلتني في دمشق، الرحم الدافئ الذي ضم طفولتي وشبابي، دمشق التي ظللت بفيئها وعبق ياسمينها تعبي وفرحي ورنين ضحكاتي ونشوتي حين خطت يداي أولى قصصي، واللاذقية التي هربت إلى أحضانها حين ازدحم رأسي بالتعب وضاقت عليّ دمشق على رحابتها. اللاذقية ببحرها الذي لا يشبه بزرقته بحراً آخر، بنخلاتها اللواتي أصبحن صديقاتي وكورنيشها الجنوبي الذي شهد على جنوني ومشاويري الصباحية قبل الضوء، ألهمتني "دنيا" اللاذقية التي سكنتني إلى الحد الذي جعل الكثيرين يظنون إنني بنت اللاذقية أباً عن جد.

في شوارع سورية أرفع رأسي لأرى الشمس
قلت كثر ظنوا أنك سورية، ماذا تعني سورية لسلوى اليوم وهذا الزحف المغولي من كل أصقاع الأرض؟.
عندما أقول أنا أعيش في سورية فهذا يعني لي أنني لست في المنفى. أنا انتقلت فقط من فلسطين إلى سورية، كما انتقلت من دمشق إلى اللاذقية، وعندما أمضني الحنين إلى دمشق عدت إليها، والحنين إلى فلسطين سيظل قائماً إلى أن تعود إلينا، ولو لم تقتطع فلسطين من قبل عدونا الصهيوني لما عشت هذه المرارة القاتلة.
من هنا يأتي إحساسي بالألم والظلم، أما كوني أعيش في سورية، فأنا في وطني الذي اقتطع منه جزء اسمه فلسطين كما اقتطع منه جزء آخر اسمه لواء اسكندرون. وتوقي لاستعادته يوازي توقي لاسترجاع فلسطين.
في سورية أنا لم أنحنِ أبداً، حتى أمام العلم العربي السوري أرفع رأسي ويدي كي أحييه، في شوارعها أرفع رأسي لأرى الشمس وفي بيتي أرفع رأسي لأطل من النافذة.
وجودي في بلدي سورية حمى روحي الوطنية الفلسطينية، وأتاح لي أن أعبّر عن انتمائي بكافة الأشكال. في قصصي أعبّر عن ذلك أنتقد واقعاً اجتماعياً أتمرد على عادات بالية كما فعلت في "المفتاح الخطأ، وحبل من مسد والصباح لم يستيقظ بعد وغيرها"، أتغزل بمدينتي دمشق بشوارعها وياسمينها، أسافر إلى مدن البحر ألوذ بها من المدن التي خنقتني والذكريات التي أرهقتني كما في "دنيا".

سورية بلد الفقراء والعشاق والحالمين
هل يعني هذا أن سورية هي البديل؟
طبعاً لا، بل هي الامتداد الزمني والمكاني لفلسطين.. زرت وأمي مرة إحدى قرى اللاذقية الجبلية. كانت تجول بعينيها صامتة، ثم فجأة أمسكت بيدي وأشارت إلى الوادي المقابل لنا وقالت: انظري وكأننا الآن في عين الزيتون وهذا الطريق يؤدي إلى صفد، تلك صفد هناك، وهذا وادي الطواحين ومن هناك طريق ميرون ومن هناك دلاتا وتلك الطريق المؤدية إلى الجاعونة.. الخ.
نعم أمي رأت "البلاد" هناك في قرية جبلية تعبق بروائح تعرفها جيداً، روائح الطيون والزعتر البري والنعناع.
ما بين هنا وهناك رحلة طويلة تبدأ من حكايات الأجداد عن وطن ظل يزهر ويشتعل ويضج في رؤوسهم إلى أن انطفأ بريقهم لكن وهجه لم يخبُ، فقد جهدوا أن ينقلوا لنا ما استطاعوا حمله وهاهو رأسي مثقل بالوجع وبصفحات مضيئة أحياناً ومعتمة أحياناً أخرى.
وأنا كفلسطينية لا أقبل بديلاً عن استرجاع الوطن بكامل ترابه أولاً، وبعدها لن أجد مانعاً من الترحيب بكل من يريد أن يشاركني العيش الجميل في وطني فهو الجنة كما قال أخي الصغير والجنة لا تمنع التائبين واللائذين واللاجئين من أن يكرموا كأبنائها، لكنها ترفض الغاصبين والمحتلين والمعتدين.
كما أني كفلسطينية سورية لن أقبل بديلاً عن استرجاع سورية بكامل بهائها ومدنها ومظلة أمنها وأمانها بلا عنصرية أو طائفية أو تقسيم. سورية بلد الفقراء والعشاق والحالمين. بعيداً عن ثقافة العنف والقتل والظلامية.
اليوم ومنذ بداية التسعينات بدأ الحديث عن رومانسية الصراع العربي الصهيوني، هناك من يرى تعايشاً ومصالحة مع العدو، كيف يسجل الأدب الموقف السياسي من فلسطين؟.
كي أسترجع وطني على الجميع أن يفهم أنه معنيّ تماماً مثلي بواجب استرجاعه، لماذا؟، لأن قدس الأقداس هي عمقهم الأول وانتماؤهم الأول. ولأن إسرائيل لا تريد فلسطين وحسب، لوحة فلسطين بالنسبة لها ناقصة أيضاً. تريد أن تستكملها، وقطعها الناقصة هي سورية ولبنان والأردن والعراق ومصر وكل الوطن العربي.
لذلك أقول: اغترابي هو نفس اغتراب ابن العراق وابن الجولان، المهم أن ما يراه السياسيون هو شأنهم, وإذا كان هناك رؤية قاصرة فهي لن تمنع المبدع عن تخييله، لن تمنع أفكاره التي تحملها أعماله الذهاب من الداخل إلى ما خلف الحدود إلى ما بعد الأسلاك الشائكة وإلى أكثر الأماكن سرية وإلى أعمق الأعماق، لن تمنع من يعيش خلف الجدار العازل أو في أراضي ما يدعى بإسرائيل من ألا يتكلم عربيته ويفكر بها، لن تمنع أحداً من التواصل وقد انتشرت الحواسيب في البيوت والفضائيات وكل وسائل التكنولوجيا.. لن تمنع الورق الأبيض من أن ينبت له أجنحة ويطير فوق الحدود، وفوق رؤوس المجتمعين في أوسلو أو نيويورك، القاهرة أو تل أبيب. الورق الأبيض الذاكرة الناصعة، أضحى هوية الوجود الفلسطيني بحد ذاته فضلاً عن هويته الوطنية ورموزه: المنجل، المنخل، الغربال، رحى الطاحونة، الطابون، عصا المحراث وسكته، دلة القهوة والمهباج، الثوب الفلسطيني بتطريزاته وألوانه التي تحمل دلالاتها الخاصة، المسخن والطاجن والفلافل والمنسف، الكلاشن والحجر الملصق والشماخ والأهم من الجميع العلم بألوانه الأربعة.
هذه الرموز هي "أنا" هي "نحن" وستظل مزدهرة إلى أن نعود. هكذا صارت فلسطين في المخيلة الفردية والجماعية "مجموعة من الأفكار والرموز". فلسطين هي الجنة كما تخيلها أخي الصغير، فلسطين هي الـ"نحن" كما شاء لنا وجعنا أن نكون. ومن غير الأدب الثقافة، الفن، المعرفة بقادر أن يكون مخزناً للذاكرة الفلسطينية؟.
هل استطاع أحد أن يمنع محمود درويش من الغناء للوطن؟، وأن تتحول قصائده إلى سفراء للقضية، من منع أفكار إدوارد سعيد وكتبه من أن تُترجم وتُدرس في جامعات أوروبا وأمريكا، من منع حنظلة ناجي العلي من الدخول إلى كل بيت ورسم الخطوط الحمراء وإشارات التعجب وقرع أجراس الخطر، "قد يحاولون اغتيال النجوم لكن الضوء يبقى".
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة