السبت, 3 كانون الأول 2022
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 74 تاريخ 15/11/2014 > الشاعر توفيق أحمد: مازلت أبحث وأنقب عن أي شيء يغني لغتي الشعرية
الشاعر توفيق أحمد: مازلت أبحث وأنقب عن أي شيء يغني لغتي الشعرية
لا يطمئن الشاعر القلق، وكأنما هي استعادة لما قاله المتنبي يوماً «على قلق كأن الريح تحتي»، لذا ففي رحلته المفتوحة الضفاف على ما أراد ظل مشدوداً إلى أرضه وناسه وبلاده وقيمه الثقافية وتراثه الثقافي، ظل في أتون التطور لإيقاعات الشعر العربي، عبر رؤيته المعاصرة وانجذاباته الصوفية، قصائده مفتوحة على ممكنات الشعر والتجربة، ليطل على ما يريد لكنه في مخاتلة السؤال/ الجواب وفي البوح، هل كان بحجم التجديد في الكتابة وهو الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، نقاداً وأصدقاء، ذلك الممتلئ «بجمال الشعر حتى الثمالة» ليتدفق في لغته التي لا تكتفي بالجمال بل ذهبت إلى المختلف، لتثيره الأسئلة فيبدو كما نحات يتحكم بالمساحة، وقته المتأهب مترع بإجلاله للفن، والهجس بالخلود، ففي مراياه يتجلى اللانهائي وتنتبه روحه لتقود نشاطه باستمرار لا يثيره السؤال بقدر ما يحيله للكشف عن المخبوء، ولا يطمئن للأسئلة، بقدر ما يعيد بأجوبته تأسيسها انطلاقاً من ذاته المبدعة/ القلقة في آن.
إنه الشاعر توفيق أحمد في مسيرته-سيرته الأخرى التي آثر قلمه أن يرسم صورتها بلسان تجربته مشاكسة، وتأليفاً بين الأجزاء، علّ ما بين السطور يشي بطقوس القصيدة إن لم يكن قصيدة أخرى يذهب إليها الشاعر بصحو الرؤية لا باعتيادية الكلام، بشفافية الاعتراف ليكون هو سؤال الشعر، هكذا هي صورة الشاعر التي حاورتها "جهينة":

جهينة- أحمد علي هلال:

قصيدتي.. لم تكن يوماً مغلقة على قضية
تتنوع القضايا في شعرك وتتّسم بغزارة الموضوعات والنزوع على المستوى التقني إلى التجريب في الأوزان "الشطرين، التفعيلة، النثر" وتدويرها، فضلاً عن الغنائية كسمة أصيلة تسكن رؤيتك، هل تطمئن إلى ما أنجزته، وقد لاحظ النقاد أنك لم تذهب إلى الأعمال الكاملة بل إلى الأعمال الشعرية؟.
لا اطمئنان لشاعر، فغالباً ما ينتابني القلقُ حتى في نومي وصحوي، ولحظة الانتهاء من كتابة القصيدة، هذا القلق يلازمني أبداً، حتى أني وبعد أشهر وسنوات من نشر القصيدة ونتيجة إحساسي بالمسؤولية الدائمة "فنياً وأخلاقياً" تجاه ما كتبت وسأكتب، أبدأ حواراً مع نفسي وأحياناً يحاصرني الندم لأنني لم أستفد من أفكار وكتابات أهملتها وكانت صادمة، نحن لسنا أحراراً مهما حاولنا إقناع أنفسنا بذلك، ويجب ألا نلقي مسؤولية ذلك على الآخرين.
نعم أنا مسكون بالتجديد في الشكل الفني والصورة الشعرية والغنائية في القصيدة، ونزوعي نحو التجريب هو محاولات دائمة للخروج من النمطية والتكرار واجتراح ما هو جديد، وهنا من الطبيعي ألا أذهب إلى الأعمال الكاملة، فلديّ ومن خلال بحثي الدائم وقراءاتي واطلاعي اليومي على مختلف التجارب والتيارات الشعرية الكلاسيكية والمعاصرة وتلك التي تذهب نحو الحداثة، لديّ همّة لإنجاز أكثر مما أنجزت، وقصيدتي لم ولن تكون يوماً منغلقة قط على قضية أو موضوع بعينه، بل أبقيها ما استطعت مفتوحة على فضاءات رحبة أترك للقارئ والمتلقي الحاذق أن يبحر في دلالاتها ومعانيها.

في مدارات الذات القلقة..
وهل كان التجريب لديك في البناء الشعري، هو هاجس معرفي، جمالي، لغوي؟.
يبدو أن قدر التجريب يحكم قصيدتي في توقها نحو الخلود والوصول إلى كل القراء، سعيت عبر تجربتي إلى بناء شعري مختلف وسأتابع هذه المسيرة برضا ورغبة عارمة في الإبداع، فالذات القلقة لا تركن أو تستقر أو تستكين، بل هي في سعي محموم لتحقيق الأفضل، وفي المحصلة التجريب ضرورة معرفية وجمالية وفي الوقت نفسه هو ابتكار لغوي لا يشبه أحداً، لقد نسي بعض الشعراء مسألة التمكن ورموها وراء ظهورهم، لذلك لا بد لي هنا من الإشارة إلى أن التمكن من الأدوات الفنية واكتساب خبرة الارتقاء في البناء الشعري واللغوي هي من محددات الشاعر الناجح.

الهوية والانتماء والذاكرة..
قيل إن شعرك مثقف، أي في نسيجه العام والخاص، وهو قضية بذاته يستحضر الوطن والبيت والمكان الأثير والحب ومسقط الرأس والأمة، هل بتنا اليوم أمام رهانات القصيدة المثقفة من حيث نجاعتها؟.
من الطبيعي أن تكون القصيدة مثقفة، بل المطلوب أن تكون كذلك وإلا غدت إنشاء ونظماً وحسب، القصيدة الحقيقية ينبغي أن تكون مشبعة بالمعرفة والثقافة والموقف، لأنها امتحان للشاعر أمام جمهوره، فالوعي القاصر والإدراك الضحل بأهمية الكلمة لا ينتجان شعراً، إذ يجب على الشاعر أن يكون قارئاً من طراز مختلف وواعٍ، لأن القراءة توفر له الاطلاع على كل جديد في حقول الفن والإبداع، وهنا أرى أنه لا قيمة لشاعر مهما كتب وأبدع ما لم يقرأ امرئ القيس وطرفة وزهير والمتنبي والبحتري وسواهم، ولا قيمة لذائقته الشعرية ما لم تتبصر في الفارق بين قصائد السياب ودرويش ونزار قباني والبياتي والبردوني وسواهم، بل لا قيمة لكل ما كتب ما لم يأتِ بشيء جديد ومدهش، على الأقل يضاهي ويتفوق على مجايليه أو معاصريه، إذاً فالقصيدة المثقفة هي هدف بحد ذاته تفرز الشاعر الحقيقي عن أشباه وأنصاف الشعراء.
أما البيت أو مسقط الرأس أو المكان عموماً، فهو جزء أساسي من ذاكرة الشاعر وذكرياته، ومنذ بواكير قصائدي كان لديّ نزوع باتجاه استحضار المكان الأول الذي شهد تفتح وعيي وطفولتي وشبابي، وأقصد هنا الريف بما يحمل من حميمية وسحر الطبيعة الخلابة، مفردات هذا المكان تعددت كثيراً، لكن كان البيت الترابي وأشجار البلوط والسنديان والجداول المنسابة والينابيع المتدفقة والطرق والدروب الترابية الأكثر حضوراً في قصائدي، وأظن أن الشاعر في نزوعه نحو استدعاء المكان إنما يؤكد هويته وانتماءه للأرض التاريخ والجغرافيا، ما يخلق عنده ذاكرة مكانية هي بشكل أو بآخر تعبير عن أثر وعمق هذا المكان في روح الشاعر أولاً، وفي قصائده وأشعاره تالياً.
قصيدة النثر لم تحقق حضورها النقدي..
هل ثمة مستقبل لقصيدة النثر الإشكالية في تسميتها والأكثر سجالاً في أشكال ممارسيها، وأنت كتبتها لتنوع في تجربتك؟.
لا شيء لا مستقبل له أكان غامضاً أم واضحاً، متيناً أو هشاً، أبقي مستمراً أو بعثرته الأيام، غير أن الحديث عن قصيدة النثر يفتح آفاقاً كثيرة للحوار والنقاش حول هذا الشكل الفني الذي كثر اللغط حوله، من حيث إيقاعه وكثافته ومكانته ومدى قبوله لدى الجمهور، وأعتقد أن قصيدة النثر التي رفضها بعض الشعراء وأنكروها، استطاعت أن تنتزع اعتراف بعض الذائقات الشعرية ولكنها لم تحقق حضوراً جيداً على المستوى النقدي، على عكس قصيدة التفعيلة التي حققت الحضورين معاً.

الوطن هو الحياة والخلود والبقاء..
الذات الشاعرة والذات الإنسانية تلتقيان في ثقافة قصائدك في ذرا منها درامية الحدث الشعري؟.
الأساس هو الذات، وكل واحدة تمنح الأخرى ما لديها، كلاهما تطفحان بالقلق والأرق وتشكيل الرؤيا والموقف وشهوة العطاء. وكما نعلم فإن الشعر قائم على فلسفة الأمور وتعليل الوجود وأسئلته، ومن الطبيعي أن تجد نفسك (ذاتك) كشاعر حاضراً في الآخر الإنسان أو الوطن، لأنه أيضاً بالمقابل حاضر في روحك وذاتك وكينونتك وتكوينك.
الذات الإنسانية حتماً ستلتقي مع الأنا وربما تنصهران معاً، لقد تماهيتُ في جلّ قصائدي مع الآخر، وكتبت لذاتي وللعاشق فيّ، وتمثلت في بعض قصائدي حكايا الآخرين وقصص عشقهم، بكاؤهم وفرحهم، وبالمستوى ذاته كان الوطن الذي تطهرت بمائه وشدّني الحنين والشوق إلى ترابه، إن معادلي الموضوعي أن أحسّ بما يريد الآخر الإنسان قوله، والوطن الذي يعني لي الحياة والخلود والبقاء.

في مرايا النقد:
سعادة الوصول وتفاعل التجربة
كيف تنظر إلى صورة الشاعر توفيق أحمد في مرايا النقد انطلاقاً من حجم مشاركاتك في مهرجانات وأمسيات شعرية محلية وعربية، وما كُتب عن مجموعاتك الصادرة؟.
أصدرت منذ عام 1988 وحتى عام 2009 ست مجموعات شعرية، طبعتها فيما بعد في مجلد واحد (الأعمال الشعرية) وُزّعت في سورية وجميع أنحاء الوطن العربي، وقد شاركت في مهرجانات شعرية كثيرة، منها "المربد" في العراق، و"الجنادرية" في السعودية و"جرش" في الأردن، فضلاً عن أمسيات في ميونخ بألمانيا وصنعاء وتونس وبيروت وطرابلس بلبنان والقاهرة التي ألقيت فيها بعضاً من قصائدي في منزل "متحف" الشاعر العربي الكبير أحمد شوقي. وأعتقد أن الانطباع عن هذه المشاركات كان مرضياً بالنسبة لي، وقد كتب عن مجموعاتي الكثير من النقاد في سورية والوطن العربي، واستفدت من كل كلمة ومقال وبحث ودراسة تناولت تجربتي وحللت دلالاتها ومعانيها، بل كنت سعيداً أن تصل قصائدي إلى مشارق الوطن العربي ومغاربه من خلال الكثير من الكتاب والإعلاميين والنقاد الذين عرفوا بي وبتجربتي في تلك البلدان.
مازلت منحازاً للشعر وحده..
تقول إن الشاعر لديّ هو الذي خدم الإعلامي، أين يتكاملان وأين يفترقان عند توفيق أحمد؟.
بلا دبلوماسية أو مواربة أكرر ما قلته سابقاً، جازماً أن الشاعر لديّ هو الذي خدم الإعلامي، فقد التحقت بسلك الإعلام بعمر خمسة وعشرين عاماً، وكنت قبل ذلك قد قرأت مئات الكتب والمدونات في جميع صنوف المعرفة والإبداع، ونشرت عشرات القصائد والمقالات في مناحي الثقافة وشؤون الحياة، ولم أشأ بعد ذلك أن أترك للإعلامي أن يخدم الشاعر رغم الأهمية الكبرى للإعلام في الترويج لأي صنف من صنوف الإبداع، وأقصد بذلك الإعلام المتخصّص بالثقافة وليس الإعلام العابر والجزئي واليومي والانطباعي السريع، وأزعم أني كنت منحازاً إلى الشعر وحده، فيما كان للإعلام شأن آخر يتعلق بالمهنية فقط أكثر منه في فطرة الشعر الذي يداهمني في لحظات مفاجئة تمليها حالة وجدانية ويفرضها موقف ما لا يحتمل التأجيل أو الإعداد المسبق، الذي يمكن اللجوء إليه في عملي الإعلامي.

بعد ثلاثين عاماً من الكتابة..
بعيداً عن الشعر قريباً من الشعر، أين تجد نفسك الآن بعد تجربة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود.. أين وصلت بالقصيدة.. وإلى أين وصلت بك؟.
ما زلتُ حتى اللحظة أبحث وأنقّب عن أي شيء يغني تجربتي الشعرية، فاللغة بحرٌ ينبغي أن أستزيد منها كلما سنحت لي فرصة التأمل في مفردات قواميسنا ومعاجمنا العربية، وأن تعي أهمية المفردة أو الجملة فإن هذا يعني أنك تدفع قصيدتك نحو الاكتمال، فضلاً عن رغبة عارمة ودائمة في إعادة قراءة ما تيسر من الشعر العربي قديمه وحديثه، والاطلاع على ممكنات الحداثة في القصيدة العربية، أعتقد أني ممتلئ بجمال الشعر حتى الثمالة، تستهويني القصائد ذات النبرة الغنائية العالية، وتستميلني الصور الشعرية المكثفة بمعانيها وبلاغتها، والمترعة بدلالاتها، وأقف طويلاً عند أي قصيدة يمكن أن تتغلغل بسرعة في مسام وعيي وذاكرتي، ومدى قدرتها على إدهاشي والخلود في روحي، وقدرتي أيضاً على حفظها واستبصار واستكشاف المضمر في سطورها.. أما عن تجربتي فأنا راضٍ تماماً عما أنجزته بعد ثلاثين عاماً من الكتابة، قصيدتي بسيطة لا غموض فيها ولا إبهام، أحاول ما استطعت ألا أضع أي حاجز بيني وبين القارئ، وهذا ما دفع الكثير من المتابعين والأصدقاء وحتى النقاد إلى تشجيعي على المضي في الكتابة التي هي في النهاية مسؤولية جسيمة عليّ أن أكون بحجم التجديد فيها وصقلها وجوهرتها ما استطعت إلى ذلك سبيلا.

الأنثى تدفق مستمر لا تلمه الضفاف..
أخيراً.. للأنثى في قصائدك حضور وتجليات وصور، هل هي أنثى القصيدة المستحيلة؟.
الأنثى قمر تطلع لتغيب، وتغيب لتطلع.. وهي وردة لا طقوس محددة لذبولها وتفتحها، هي نبع أسطوري الانفجار والانكفاء، محيط تغيب في قيعانه أية سمكة وحتى القرش، وهي سمكة يجب أن يمنحها الماء كل صفاته ليبقى البحر بحراً تطمئن فيه جدلية المد والجزر إلى أزليتها وليستطيع الربابنة الاستمرار في مغامراتهم.. الأنثى تكتبك وتمحوك وفي كلتا الحالتين تشكل منك ذاكرة قد تكون عابرة وقد تكون شبه راسخة، إنها الومض والريح والآفاق، لها أن تدير عربدات الليل ولها أيضاً أن تقبل صلوات الآخرين تحت أبراجها، لا أعتقد أن الإمكانات اللغوية استطاعت حتى الآن استيعاب مفرداتها لأنها تدفق مستمر لا تلمّه الضفاف!.
هكذا هو الشاعر توفيق أحمد في رحلته، الشعر والحياة وما بينهما من تأليف لمعنى التجربة المستمرة ليحيا قصيدته، فزمنه سيمتد لزمن آخر وتمتد معها برهات نشاطه الإبداعي الذي يحتفظ بالشعر وحده توقاً وشغفاً ومكابدة لا يكترث إلا لتراسل فصول الروح وتظل التيمة الكبيرة: قال الشاعر.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة