السبت, 3 كانون الأول 2022
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
رفيف الأماني

تحاولُ "عُلا" النومَ، تحاوله، فيجفو عينيها المرهقتين بالبكاء.
البكاء بصوت لا يسمعه سوى قلبها، وبدمع لا تبصره سوى عينيّ الدمية التي كانت تضمّها إلى صدرها، وتضاحك شعرها الذهبيّ، وتهدهدها لتنام، فتمضي هي، أو لعلّها تمضي، إلى النوم أيضاً.
تحاولُ، فيتأبّى النومُ على عينيها اللتين كانتا، على غفلة من أمّها، تتابعُ صورَ الأطفال المضرّجةُ وجوهُهم بالدماء، والمتناثرةُ أشلاءُ بعضٍ منهم في غير جهة من الشارع المزدحم بسيّارة تحترق، ورجالٍ هائمين على وجوههم، ونساء يتيبّسُ في حناجرهنّ نشيجٌ لو أفلتَ منها لكانَ بلغَ أعلى سماء.
كلّ ليلةٍ، وبعد أن كانت أمّ عُلا تغادرُ غرفة عُلا، وبعد أن تكون اطمأنتْ إلى أنّ عينيّ "العالية" ذبلتا تماماً وهي تقرأ لها من مجلّة مصوّرة أو كتاب، كانت عُلا تنتظر قليلاً. تطمئنُّ إلى أنّ أمّها ابتعدت بما يكفي عن غرفتها. تقفز من سريرها. تُهرع إلى الصحف التي يكون أبوها اصطحبها معه إلى البيت، وكانت خبّأتها تحت وسادتها. تركضُ بعينين مثقلتين بالنعاس فوق صفحاتها. تلوبُ عن خبر يعني سورية، وطنها الذي لم تعرف منه سوى الصور التي رأتها وتراها في الشاشة التي تتصدر غرفة الجلوس عندما يكون والداها يتابعان الأخبار، بل يطاردانها منذ نحو أربع سنوات.
ليس لعُلا من العُمر سوى سنواتٍ ثمانٍ، ولها من العذوبة وسْعَ قارّة.. أرقُّ من نسمة. مخملٌ من الفتنة الباذخة، وحريرٌ من البهاء، ودمقسٌ من الرهافة. إذا ضحكتْ ضحك البيتُ كلّه، بل السماء، وإذا تلعثمتْ عيناها بالدمع تضرّجَ البيتُ كلّه بالحزن، حتى تفيء إلى ظلال الغبطة، ثمّ يفترّ فستقُها عن ضحكته البتول.
ذاتَ صباحٍ، ولم تكن أمّ عُلا غادرت سريرها تماماً، وفيما كانت ترفع غطاءه عنها، أطلق هاتفها الجوّال إشارةً بوصول رسالة إليها. وما إن وقعت عيناها على اسم المرسل، العالية، عُلا كما كانت تكتب اسمها في سجلّ الأسماء وكما كانت تناديها غالباً، حتى هُرعتْ إلى غرفتها، وقبل أن تبلغها تسمّرت مكانها بعد أن أتت، في طريقها، على نقطة النهاية من الرسالة. نشجتْ روحُها ببكاء مخنوق، وكانت ثمّة صور رأتها ليلة أمس في إحدى الفضائيات تتأفعى في رأسها. صور مجموعة من الأطفال في إحدى المدن السوريّة، وهم يتدافعون هرباً من موت يحدق بهم. يسّاقطُ في مدرستهم وعليهم حمماً من القذائف. وكانت، وهي تكبح دمعها في روحها كي لا تراها عُلا، وتعابث وجهها كي لا ترى عُلا نفسها ما تراه، تحشرج بغير سؤال عن الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم، بل الذين مضى الجرحُ السوريّ بهم إلى رجولة أو أنوثة مبكّريْن.. الذين لم يذق بعضٌ منهم، بل كثير، كثير، أيّ طعم للطفولة.. الذين يطارد أيّامَهم الموتُ، والدمُ، والدمار.
"ماما. لا أريد أن نحتفل اليوم بعيد ميلادي. أريد أن أرسل ما جمعت وما سأجمع اليوم إلى أبناء الشهداء في سورية". أغلقتِ الأمّ الرسالة. سمعتْ عويلَ روحها بأذنيها. عادتْ صورُ الأمس تنشبُ مخالبها في جسدها كلّه. توكّأت ما تبقّى من القوّة فيه، ثمّ هُرعتْ إلى علا التي كانت أنهت ترتيب كتبها ودفاترها في حقيبتها، ثمّ احتوتها كلّها، كلّها، كما لو أنّها كانت تتمنّى لو تستجيب السماء لدعائها، فتعيدها إلى فردوس جسدها، الذي كانت غادرته قبل سنوات ثمان.
في المدرسة، وبينما كان الأطفال يرددون النشيد الوطنيّ للدولة التي تقيم أسرة عُلا فيها، تناهى إلى أذنيّ إحدى المعلّمات اللواتي كنّ ينتظمن في صفّ أمامهم كلماتٍ ليست من النشيد. تتبعتِ المعلّمةُ مصدرَ الصوت. استقرّت عيناها على وجه عُلا، ثمّ على عينيها الصاخبتين بدمع. أرهفتْ أذنيها للصوت الذي أخذ يعلو. يرفرفُ في سماء الساحة، حتى يكاد يغطّي على ما حوله من الأصوات.. أصغتْ.. كانت عُلا بلغتْ:
رفيفُ الأماني وخفقُ الفؤاد ... على علم ضمّ شملَ البلاد
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة