السبت, 3 كانون الأول 2022
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 74 تاريخ 15/11/2014 > صالح الهجر: حروفي تحاكي شجر الغرب والصفصاف على ضفاف الفرات
صالح الهجر: حروفي تحاكي شجر الغرب والصفصاف على ضفاف الفرات
عندما نقول لوحة حروفية، فإننا أمام لوحة بصرية مفتوحة التأويل جمالياً وروحانياً وتربوياً، هذا ربما ما قاد فنان عصرنا بابلو بيكاسو إلى أن يقول: "إن أقصى نقطة وصلتُ إليها في فن التصوير سبقني الخط الإسلامي إليها منذ وقت طويل"، الخط الذي ناله ما نال بقية الفنون الإنسانية من إضافات وجماليات، فمع ظهور الاتجاه الحروفي في التشكيل العربي منتصف القرن الماضي باعتماد الحرف العربي كمفردة تشكيلية تؤدي إلى عمل فني عربي تشكيلي معاصر محدّد الهوية ويملك إمكانية التطوير والتجديد، كان لا بد للمحترف التشكيلي السوري أن يبرز حضوره.

فبرزت الكثير من التجارب الغنية لفنانين استطاعوا في إبداعاتهم واستخداماتهم المتعددة للخط العربي أن يسبقوا حركة الفن التشكيلي المعاصر في نزوعه إلى التجريد، مستفيدين من قابلية الحرف العربي للمدّ والاستدارة والبسط والصعود والهبوط واللين في طريقة كتابته، فكنّا أمام ثلاثة أساليب اشتغل عليها الحروفيون السوريون، الأول اعتمد الكلمة في اللوحة دون أي معنى كالفنانين عبد القادر أرناؤوط، أدهم إسماعيل، محمود حماد، أما الاتجاه الثاني فقد ربط مشتغلوه بين الشكل والمعنى وأبرز رواده الفنان عيد يعقوبي، بينما اتجه حروفيو الأسلوب الثالث للمحافظة على الرسم الحقيقي والبنية الخطية للحرف العربي إلى جانب إعطائه حيوية وإشراقاً من خلال إضافة اللون ومثاله الفنان محمد غنوم.. ولن ننسى الفنان الشعبي الدمشقي أبو صبحي التيناوي الذي وظف أعماله الفنية بعفوية وبساطة جعلت أعماله تتصدر متاحف الفن الشعبي في العالم.
ولأن سورية أم الأبجدية، ولادة بالحب.. اقترف الحياة في مواجهة القبح، ليقدم الفنان صالح الهجر في معرضه الأخير "أمطار الروح" تشرين الأول 2014 بمشاركة الفنانة ريم جمعة حالة فنية متفردة، عبر أربعة عشر عملاً حروفياً نفذها بالأكرليك والأحبار لتصبح الآيات القرآنية والعبارات الشعرية مادة للفن الحروفي العربي بتجلياته التجريدية وطابعه الروحاني على مستويي اللون والمعالجة الفنية للحرف.
لوحات تمارس سلطتها في شدّ عين المتلقي، إذ تحمله طاقة الحرف رقصاً وصعوداً إلى السماء، وتارة توغل في إبحارك إلى جوانيات من الصمت والضجيج معاً.. هي ربما أعماقه الفياضة بالحكايا، وما اكتنزته روحه عن مكان طفولته حيث تفتحت أحلامه وغادرت مساحة مدينته إلى جغرافيا عربية وعالمية.
وهذه بعض الحكايا التي سيبوح بها الفنان الحروفي السوري صالح الهجر لمجلة "جهينة"، مقدماً لنا دعوة للحياة:
الطفولة حديث الجمال، والجوانيات المختبئة في جبّ الروح، هي أيضاً التي جعلته يشارك طفلته "تبارك" الرسم، ليسقط إلى عالمها رافعة إياه إلى ملكوت دهشتها.. تماماً كابتسامته التي تسرد مالا ينطق به لسان، والتي استطعنا من خلالها تبيّن طفولة الحروفي الهجر، وما فيها من شغف وتحليق وراء سحر انسياب القلم، إذ يذكر كيف كان يخطف دفاتر وأقلام إخوته ممن سبقه إلى المدرسة، ليمارس خربشاته الطفولية عليها.. راسماً خطوطه وأحلامه، إلى أن خصص له والده قرطاسية ليقوم بالكتابة عليها وذلك وهو بعمر 6 سنوات.
ويضيف: بعد دخولي المدرسة، أذكر أن أول واجب مدرسي كتبته، لفت انتباه معلمي الذي طلب مني قائلاً: اكتب بنفسك يا صالح، ما زالت ذاكرتي تحتفظ بالمفاجأة التي ارتسمت على وجهه وغادرت عينيه عندما أخبرته، هذه كتابتي.. لم يصدق إلا بعد أن كتبت أمامه، ومنذ ذلك الوقت بدأ يشجعني وطلب من زملائي تقليدي لحسن الخط، هكذا بدأت لأول مرة أشعر بأن خطي جميل وبدأت ممارسة هذه الموهبة إلى أن وصلت إلى ما أنا عليه من حالة لونية وبصرية وعلاقة عشق للخط.

قادم من الصحراء
في مدينة تغصّ بفوح التاريخ ولد، وعلى رمالها الصحراوية مارس بعض خربشاته، عين تأكل حجارة مكانه وعين تهطل على الورق سر عشقه لهذه الأرض، هو الذي يؤكد تأثره بجغرافية الوطن، من جنوبه إلى شماله.. ومن شرقه إلى بحره غرباً، لوحات حُبلى بهذا الإرث الحضاري، إذ نجد تدمر ودير الزور حاضرة جغرافياً في لوحاته، مستمداً هذا الحضور من روح المكان وخصائصه اللونية، وحضوراً لافتاً لمدينة دمشق وقد سمّاها "لوحة دمشق" بـ"حديث الأرض"، هكذا يقدم الهجر فسيفساء لونية تعكس فسيفساء تاريخياً موغلاً في القدم، عن ذاكرته المكانية يقول: أخذت الكثير من مدينتي الميادين بدير الزور التي تقع على ضفة نهر الفرات اليمنى، ومن نهرها الفرات، من تاريخها، حتى تموج صحرائها.. فأولى أعمالي التي عرضت عام 1995 تحاكي شجر الغرب والصفصاف على ضفاف النهر.
ويضيف: مازلتُ أغرف من وحي هذه المدينة وبيئتها، فاللوحة نصّ لفظي، بصري، لوني.. في معرضي الأخير تجدين صحراءها وباديتها والتي عنونت لوحتها (القادم من الصحراء)، هذه اللوحة هي محاكاة بصرية للبيئة الصحراوية دون أي دلالة لفظية، وهذا يدل على حجم عطاء هذه البيئة "مدينتي" العريقة بتاريخها الحضاري والاجتماعي، أخذت ألواني من زرقة فراتها وخضرة أشجارها وإشراقة شمسها وأصفر صحرائها.. هي ألوان الطبيعة التي حبتني كل هذا الثراء الحروفي.
لماذا الحرف؟، سؤال مفتوح على بوابات الشمس، فالخط واللون عنصران متلازمان، يتجاوزان حدود الزمان والمكان، لذلك كان للكلمة قوة الرصاصة، هذا ما يفسّر لنا حمل الفنان صالح للوحاته الحروفية من مدينته دير الزور التي لم تحمها عروبة الكلمة وأصالة الحرف من مدّعي الإسلام والحرية إلى دمشق، وقد اعتبروا لوحاته ضرباً من الكفر والعصيان، رغم أنها كُتبت بلغة القرآن الكريم، عن ينابيع لوحته وما تقدمه يحدثنا: بداياتي مع الحرف كانت اللفظية المباشرة ومن ثم اللفظية البصرية ومن ثم البصرية اللونية المجردة، وبدأت العمل الحروفي منذ عام 1996 عندما قدمت أعمالي بمركز السقيلبية الثقافي، وإلى اﻵن ما زلت أبحث في مكنونات الحرف وأسراره وصورته وتعدد أشكال الحرف الواحد.
مع استمراري بالبحث والتجريب اللوني بدأت أشعر أن ما أقوم به لم يكن يعبّر عما أريد التعبير عنه، ما جعلني أواصل البحث عن أسلوب يحقق لي ذاتي، فبدأت التجريد اللوني، فكرت بالجذور المتمثلة بالحرف العربي وبدأت محاولات جادة لاستلهامه في مجال الفن التشكيلي التجريدي إلى أن أدخلت الحروف على عملي الفني، وبالتدريج أصبحت الحروف تأخذ أهمية كبرى لديّ، فأصبحت شخوص لوحاتي جميعها من الحروف وهكذا كانت بدايتي مع العمل الحروفي.
في معرضي "أمطار الروح"، قدمت الخط العربي بأسلوب التوازن والتناظر من خلال اللون وليس العمل الهندسي، بهندسة روحانية، محاولاً أن أقدم الصورة اللفظية من خلال نمطين الأول الصورة اللفظية البصرية والثانية الدلالة المجردة. لأنني أعتقد أن الحرف العربي أهم المفردات التشكيلية، ومن خلاله أطمح إلى تجاوز حدود اللغة بحيث تصبح لوحتي ذات الطابع الحروفي لغة بصرية لا علاقة لها باللغة اللفظية.. وللحرف العربي بذلك قدرة كبيرة في التشكيل والتوزيع من خلال تعدّد صورة الحرف الواحد، ما يعطي أكثر من دلالة بصرية في اللوحة الواحدة، والحرف العربي بطابعه يحمل الكثير من التكوينات البصرية والتشكيلية واللونية.
أما مواضيع لوحاتي، الشعر، الموسيقى، العمارة جميعها مواضيع لأعمالي، قدمت الكثير من لوحاتي كنصوص بصرية دون أي دلالة لفظية للشعر والعمارة من خلال تصويرها باللون وتجسيدها بالحرف، حيث قدمت مجموعة لوحات تحاكي المدن العظيمة كدمشق وتدمر واﻷندلس والقدس، بالمقابل كانت لي أعمال ذات محاكاة بصرية لموسيقى نينوى وبحيرة البجع.. هذه بعض ينابيع أعمالي.
مشبع ببخور العشق
يعتمد الخط على جملتين: بصرية وأدبية، فبعد مطاردة اللون وحركة الحرف لذائقة المتلقي، يطارد المتلقي النص المكتوب، يتبيّن أغواره وينصت لهمسه، كانت عبارات اللوحات شفافة مشبعة ببخور العشق.. لم يعتمد الشعر القديم بل تجاوزه إلى روحانيات ربما كتبها عاشق مولع بالهجر والشوق.. حتى إن البعض يزعم أنه تنفس آهات عاشقين تغلغلا في حروف الهجر، كيف تتعانق الجملتان لتشكلا هذا السحر؟
يقول: الخط العربي، كفن ذي بعد واحد من خلال كتابته بأصوله الكلاسيكية أو التقليدية.. ولكسر هذه النمطية لا بد من شيء جديد.. حيث وجدت أن اللون هو من يكسر هذه النمطية التقليدية، عملت على إيجاد أكثر من بعد في لوحتي الحروفية.. يكاد الناظر لها يحسب أن طيوراً تحلق في فضاء رحب، قوامه التشكيل والتجريد اللوني بمفردة عربية تحاكي بها كل الناس من خلال نقلها إلى لغة بصرية مجردة.
ويضيف: أنا أعتمد بعملي على كلتا الحالتين اﻷدبية واللونية من خلال تقديمي لبعض اﻷعمال التي لا تحمل أي دلالة لفظية يكون اللون هو العنصر التشكيلي الذي يوازي بأهميته الحرف، واللون هو الذي يعطي للمتلقي الصورة التي أود تقديمها دون حاجتي لكتابتها بالصورة اللفظية المجردة وهذا ما أود أن تكون عليه أعمالي.
الهوية، التاريخ، الجغرافيا، التراث الخاص بكل أمة، هو الذاكرة التي نواجه بها كل أشكال الاستعمار، وما أحوجنا لها في يومنا هذا، ومحاولات إفراغ المنطقة العربية من تاريخها الحضاري، لكل فنان أسلوبه في استلهام هذه المكونات الإنسانية تشكيلياً لتكوّن خطه الخاص "هويته"، عن هذه الذاكرة وبوح ألوانه يقول الهجر: تختزن أعمالي الكثير من أسرار ذاكرتي التي لم ولن أبوح بها سوى ﻷلواني ومساحة لوحتي، يوجد لديّ من هذه اﻷعمال ذات اﻷسرار المقدسة ما قدمته مؤخرا بمعرض "أمطار الروح"، أسرار مدونة فقط في الذاكرة والمذكرات الشخصية. للفنان دور مهم في تكريس الثقافة البصرية، وإذا ما أراد للوحته أن تنتصر عليه تكريس ذائقة اللون من خلال تقديم أعمال بصرية جمالية والبحث المتواصل في تجارب تغذي هذه العين بكل ما هو جميل.
لذلك الهوية التي تنتمي لها لوحتي هي العربية الإسلامية من خلال العنصر الرئيسي لها وهو الحرف العربي وتاريخه موغل بالقدم، تتسع لها كل جغرافية هذا الكون. بهذا أعتقد أني أقدم لوحة واضحة الانتماء وتقديمها على صورة الرقش والنقش العربي يعطي لها دلالة الهوية، لكن هذا لا يعني أن تقف عند حدود اللغة التي تنتمي إليها بل تتجاوزها لتصل إلى كل الناس مهما كان انتماؤهم ومهما كانت لغتهم، ﻷن لعملي طابع اللغة البصرية أكثر من أن يكون عملاً لفظياً محدوداً.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة