السبت, 3 كانون الأول 2022
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مدائن الالتهاب
أحمد علي هلال

مدائن الالتهاب هي الرواية الجديدة، للكاتب الدرامي د. فتح الله عمر، بعد أعمال إبداعية ودرامية لافتة، على مستوى موضوعاتها ورؤيتها، وخصوصية ما تقاربه من قضايا حيوية، تشغل بأسئلتها الجادّة فكرنا المقاوم، وتتوغّل في مساحاتٍ مختلفة يشكّل هاجسها الضروري، حاضرٌ تجتاحهُ تغيرات الوعي الشقي، وتجلياته المؤرقة.
تنطلق"مدائن الالتهاب" بعنوانها الأكثر استدعاءً للتأمل والتفكير، من إستراتيجية البحث في" المضمرات" الفكرية والسياسية، ويسبح فضاءها الدلالي، عبر متنها الحكائي الواقعي والمتخيّل في آن معاً، وتنبني عمارة الرواية على ائتلاف أحداثٍ ووقائع، ذات لبوس سياسي وتخييلي وواقعي، بمعادلٍ محسوب هو تطييف الفكاهة إيقاعاً للأحداث والشخصيات في آن.
صحيح، أن الرواية تبدأ بشخصية "رمزي" المنحدر من عائلة عريقة، مدمناً على الكذب، واختلاق المفاخر الوهمية، الأمر الذي يتسبّب بفسخ خطبته من خطيبته" ناديا" لكنها تذهب من ذريعتها السردية، إلى مقاربة موضوعة شائكة، هي "الطائفية" المستدخلة على فكرنا برؤوسها السامة، وبذلك تنفتح مقولة الرواية، وعبر مناخاتها السردية الرمزية وبصوت الراوي على "قادة الطوائف والأحزاب، ممن يتخذون الدين مطية للسياسة، فيشعلون بذلك نار الفتنة والطائفية في بلادهم ويدفعونها تبعاً لذلك في مزالق الخراب والتخلف والدمار".
مدائن الالتهاب، في أطروحتها، ذهاب بتقنية اللعّب إلى المسكوت عنه، و"المضمرات النسقية" التي تهدد الوجود والهوية، مقاربة إضافية لدلالة "الكذب" السياسي والاجتماعي والأخلاقي، وتفكيك لمنظومتها الخطرة "هم أكذب الناس، بلا ريب.... الكاذب والمنافق، لا يستطيع أن يتلاعب بعقول وأفئدة أبناء طائفته وينال رضاهم وقبولهم كلهم على الدوام"
.. "ورمزي بطل الرواية يتحقق ما أراد، وليصبح القطب الأوحد في طائفته فسلب قلوب أبنائها بديماغوجيته وذكائه ودهائه، بعد أن كان مجرد شاب حياته نكرة يعيش على هامش المجتمع"، وليفتتح أعماله الدنيئة بالانتقام من ناديا ومن زملاء دراسته ومن خصومه الحزبيين وأبناء الطوائف الأخرى".
"وإن وجد أحد في طائفة ما أكذب من زعيمها، آلت القيادة إليه لا محالة عاجلاً أو آجلاً، وستظّل الزعامة في يده حتى ينتزعها منه من يفوقه قدرة على الكذب والدجل والنفاق".
.. وبسبب علته الالتهابية هو رجل متقلب متأرجح في علاقاته النسائية وكان حرياً بهذه الصفة أن تحصنه ضد جميع النكسات العاطفية....
هكذا رأى" رمزي" ذاته، وبلده الذي يعّج بأمثاله، فبدعة لسانه تلك ستكون القشة التي قصمت ظهر البعير.
رواية إذن تنطلق من مهاد لغوي وتاريخي وفكري وأخلاقي، ومن إشكاليات الحياة السياسية العربية، فهي لا تذهب إلى التاريخ إلا تعليلاً ، ولا تستظهر مفارقاته الوجودية إلا لتشير إلى ما استقر في الوجدان الجمعي ضلالاً يطاول مفهوم" الطائفية"، ذلك المفهوم الذي ولدّ سياقاته المتعددة ولحظاته الأكثر مأساوية في مسار تاريخ معلن، كشفاً لآثاره القاتلة للوعي والثقافة والهوية.
اختار د. فتح الله عمر حداثة الشكل والمضمون، في منحى تجريبي يعيد إنتاج أسئلة الواقع, بمعادل تهكمي ساخر، وحادّ، فللرواية أسئلة التجاوز، وللروائي مثقفاً قيمة مضافة، أداتها الرؤية، لتضيف, وبما أمكنها من مفارقة، علامة إلى منجز مازالت أسئلته أكثر جدلاً، فليس مهماً حقاً من هو رمزي الشريف، هو حالة ما، هو تركيب لرواية ما يمكن لها أن تستعير قوامه من واقعٍ لا واقع له، ومن رؤيا ما زالت تمحص في التهاب مدائن وأفكار وتيارات ونزعات وأفكار مجنونة، فنسيج الالتهاب هو في متنها الحكائي الذي أحسن مزج الواقع بالخيال دون أن يتخفف عن حقائق ضرورية ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.
صدرت الرواية في طبعتها الأولى عام 2014 –بيروت-لبنان.
عن دار الفرات للنشر والتوزيع.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة