الخميس, 6 تشرين الأول 2022
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 79 تاريخ 24/9/2015 > التشكيلية ميساء عويضة: دمشق ملهمتي الأولى والأخيرة.. والفنانون الجدد بدؤوا معالجة التغريبة السورية
التشكيلية ميساء عويضة: دمشق ملهمتي الأولى والأخيرة.. والفنانون الجدد بدؤوا معالجة التغريبة السورية
جهينة- ع. القتال:

عندما تمطرنا الألوان بموسيقى تتغلغل في عمق أرواحنا، نكون أمام فنان ريشته أنامله ولوحته قيثارة تنبعث منها الحياة، فيختصر فيها اللغات صوراً تفجر كل الجماليات المختبئة في جوانيات الروح، وعندما يكون الفنان أنثى تتلمّس حالة الإبداع بحواسك كلها.. في الكثير من أعمالها تأخذنا ألوانها في تضادها بين الأزرق والأحمر، البارد والحار إلى الصراع الدائر اليوم، في تناغم لوني وموسيقي مشكلاً حالة عشق وشغف، هو يمطرها بعطره وهي تمطره بدهشتها أعمالاً ساحرة بانسيابها ومدلولاتها تعبيرياً، تجريداً وحروفياً، يشي بثقافتها وبحثها الدؤوب عن الجديد، لتطالعنا الوجوه التي تربعت على عرش البياض بما اكتنزته من ألوان نامت على زرقة حلمها وفارت تارة صارخة بنار وهجها «هذه أنا»، تحمّلها تذمرها، شكواها وعبثية هذا العالم، وكثيراً ما تدخل صمتها «الصمت الذي تشي به وجوه الفنانة» لتشرب أذنيك الموسيقى المنسكبة كشلال من فم إناثاها المغمضة العين.
أنثى سورية الطموح.. ما تزال تحتفظ ببراءة طفولتها، وطزاجة الحلم وجرأة مشاكستها، إنها الفنانة التشكيلية السورية ميساء عويضة في حديث خاص لـ»جهينة»:

أستفيد من تجربة كل فنان عنده شيء جميل
تحملك وجوهها إلى حلم شفيف، تارة تسمع ضحكاً خافتاً وتارة تنغلق اللوحة على ذات الفنانة، فتوغل أكثر في عمق اللوحة واللون.. بين زرقة السماء والبحر وحمرة النار والدم عاكسة الواقع السوري اليوم، وغير منقطعة عن الماضي، فبتأمل عميق لخطوط اللوحة ستلمح وجوه الفنان فاتح المدرس، والذي تتحدث عنه دائماً بكثير من التبجيل كمعلم وأيقونة سورية، قد ترك بصمته في وجدانها فعرشت بعض روحه على بياض لوحتها.. لتشكل لوحتها تناغماً بين ذاكرة الرواد الذين تعلمت منهم، وبين ذاكرة «الذاكرة المكانية واللونية» سكنت روحها تحملك إلى مكانها الأول مترجمةً إياه عملاً، عن كل ذلك تقول:
اسمحي لي أن أختلف معك في مقولة بين الرواد والتلاميذ ذاكرتان.. فالرواد بدؤوا متأثرين بالغرب طبعاً لأسباب كثيرة يصعب إحصاؤها ومقاربتها الآن، إذ تزامن بدء فن اللوحة في سورية وذهاب أول الفنانين لدراسة الفن خارج البلاد مع انتشار الفن الحديث والاعتراف به في باريس تحديداً، فاستهوى معظم الفنانين مثل توفيق طارق، ميشيل كرشة، ناظم الجعفري ونصير شما وسواهم.
فيما بعد انتقلوا لمعالجة موضوعات وأزمات تمسّهم، والحديث هنا يطول، لكن اختلاف طبيعة الحياة بالتأكيد سينتج أعمالاً مختلفةً، وباعتقادي في المستقبل القريب سيعالج الفنانون الجدد وهم حقيقةً بدؤوا بمعالجة التغريبة السورية كما فعل الرواد في التغريبة الفلسطينية، حيث شهدت الساحة الفنية السورية تجارب كثيرة تناولت موضوع الحرب ونتائجها، كتجربة نزار صابور في معرضه الأخير، عمران يونس وزهير حسيب من الفنانين الأكراد، والأسماء تطول بعضهم بمعارض فردية والبعض ضمن مشاركات جماعية داخل سورية وفي بيروت، وبالنسبة لي كغيري من السوريين كنت مصدومة جداً مما حصل ويحصل اليوم في سورية، ما أدخلني فترة طويلة من الاكتئاب والحزن حتى استطعت الإحاطة بالأمر وترجمته أعمالاً، وإن شاء الله قريباً سيكون لي مجموعة لوحات مستوحاة من واقع الحرب.
أحترم وأستفيد من تجربة كل فنان عنده شيء جميل، وهذا التأثر يكون عبر التخزين بالذاكرة لتختمر وحدها، وعندما تكتمل نضوجاً تطلع على سطح اللوحة بأسلوبي الخاص. أما بالنسبة لمكاني الأول، صحيح أنا ابنة السويداء.. لكنني أولاً أنا ابنة سورية، ولوحاتي مستوحاة من التراث بكل أشكاله، وإذا تأملتِ فيها ستجدين موتيفات تراثية، هي موجودة في كل المنطقة، وأقصد سورية الكبرى من الأردن إلى سورية وفلسطين ولبنان وحتى العراق، إلا أن المصادفة جعلتني أقرب إلى دمشق حيث أعيش. فدمشق هي ملهمتي الأولى والأخيرة، في السنوات العشر الأخيرة قبل الأزمة شكلت دمشق القديمة ملتقى للفنانين وللجيل الجديد من الشباب والسياح، كنت أتساءل ما هو السر في هذه العودة إلى أحيائها وشوارعها ومحلاتها التجارية الأنتيك والموزاييك و...؟! كنت أختزن ذلك الإحساس والشعور الجميل الذي تمنحني إياه لأضعه في لوحاتي عبر الألوان التي طغت على الموضوع وهو الإنسان، فتتحول اللوحة إلى بساط دمشقي أو نافذة من الزجاج المعشق إلى آخر ما هنالك من التراث المعماري أو غيره من الموتيفات الشرقية مجسّدة الروح الجمالية السورية.
حوار مع اللوحة!
«الأصفر لون الشمس والدفء والحياة، وجوه أتعبها الزمن» عناوين حملّتها للوحاتها، لتكون بوصلة يستدل بها المتلقي إلى خبايا روح الفنان، وربما تشكل حالة صدام بين ما اختارته وما أوّله المتلقي، وإن كان الفنان أسير لوحته حتى تخرج من ذهنيته كما قال التشكيلي أكثم عبد الحميد، فإن لوحة ميساء عويضة تجعلك أسير تفاصيلها الشفافة حد الهواء والعصية في الوقت نفسه حدّ اللغز، لذلك تحملك لتأويلات تدخلك عنوة في تفاصيل اللون والشكل لتكتشف أن الوجوه ما هي إلا الفنانة نفسها وكثيراً ما تتبادل الأدوار ويصبح المتلقي هو هذه الوجوه.
عن مراحل خلق اللوحة تؤكد عويضة أن اللوحة تبدأ في مخيلة الفنان فكرة، وفي مرحلة نقلها للواقع بعد أن يتخللها الانفعال والحماس لدرجة الانفصال عن الواقع المحيط، ثم ينتقل للحوار معها عقلياً وحسياً، ونتيجة كل ذلك قد يصل الفنان إلى اللوحة التي رسمها في مخيلته أو شبيهة بها أو مختلفة كلياً، النتيجة يجب أن تكون لوحة مكتملة مقنعة.
غالباً ما يُسقط الفنان العنوان فيما بعد على اللوحة وهذا بالتأكيد يقيّد المتلقي، وفي الوقت نفسه ومن خلال تجربتي لا أسعى لتوجيهه للقراءة التي أريد، بل أدفع بالمتلقي العادي إلى خلق حوار مع اللوحة انطلاقاً من شعور المسؤولية اتجاه الجمهور، ليصل إلى قراءته الخاصة، اليوم نحن أمام أعمال حديثة متعددة القراءات، تفرضها طبيعة اللوحة وموضوعها وألوانها وتشكيلاتها.

المرأة لكي تنجح يجب أن تكون مقاتلة
المرأة باختصار ملهمة المبدعين في كل المجالات.. وأن يكون حضورها عند الفنانة الأنثى حضوراً طاغياً فنحن أمام سحر مضاعف.. فنساء ميساء غالباً ما يدخلهن اللون الأزرق في حالة حلم، مغمضات العين والفم.. لكن وداعتهن تشي بالكثير الذي يتطلّب متلقياً قادراً على فك طلسم صمتهن، في الوقت الذي يدخلنا الأحمر ويدخلهن في ضجيج حار رغم العيون المغمضة..
عن الأنثى التي تدخلها مختبر لوحتها، وحضورها على الساحة التشكيلية السورية تقول: هي تلك المرأة الصامتة اتجاه معاناتها كأم، زوجة، وعاملة في مجتمعنا، صمتها ليس جبناً أو خوفاً، إنما حكمةً.. حكمة الحفاظ على كرامتها وكبريائها.
والمرأة الفنانة مثل أي امرأة في مجال آخر، لكي تنجح يجب أن تكون مقاتلة من الدرجة الأولى، فإذا أرادت أن تمارس حقها الاجتماعي في تكوين أسرة وممارسة أمومتها تحتاج للوقت الذي يكون على حساب عملها، فالاثنان يحتاجان إلى الاهتمام والمتابعة، ولكي تتابع في مجال عملها الفني تحتاج إلى الكثير من الدوافع الداخلية القوية، أكيد أولها الرغبة العارمة بالرسم، وثانيها الشعور بإنجاز شيء مهم ومفيد يرضي عقلها وإحساسها كفنانة وإنسانة الذي يدفعها لإنجاز عمل فني. فالإبداع يحتاج إلى تركيز ودخول جو وعالم من الإلهام تنسين معه كل ما هو محيط بكِ.. تخيلي كل هذا الجو ولديك واجب اجتماعي أو أن ابنك مريض أو يريد أن يدرس أو قضاء حاجة له. الجو الإبداعي لحظتها يدخل في حالة تخبط وتشتت، باعتقادي الفنانات اللواتي حققن حضورهن على الساحة الفنية مثل «إقبال قارصلي- ليلى نصير- أسماء فيومي..» كان لديهن هذه الدوافع الحسية، الفنية والرغبة القوية لإنتاج أعمالهن والاستمرار في عطائهن الفني ولو بعد انقطاع.

الطبيعة المعلّم الأول
لها مواقف قوية وصادمة، فمثلا تصرّح «الواقعية لا تملأ رأسي لا رسماً ولا تذوقاً»، وهذا لا يتعارض مع أن الفن إعادة بناء للواقع والحياة من وجهة نظر الفنان، لذلك غاصت في أعمالها إلى ما هو أبعد من الشكل، متناولة الحس الجمالي للبيئة التي نعيش فيها، فالموضوع «الإنسان بمعاناته وانشغاله بالحياة السريعة» يتقلّص أمام اللون، ليترجم اللون الروح الجمالية السورية، مستخدمةً مادة الزيت والاكريليك بالإضافة إلى الكولاج، ومركزة أحياناً على الخط في محاولة منها لإعادة الروح للرسم.
عن رأيها بالواقعية والأسلوب الذي انتهجته لتشكل هويتها الخاصة بها تقول ميساء عويضة: بالتأكيد هذا رأي نخبوي واختصاصي إذا أردت، متذوق للفن وعلى دراية وثقافة وعلم.. واختصاصي أيضاً ممن هم مختصون بالفن أي أقصد الفنانين أنفسهم، وهذا رأيي أنا كمتذوقة للفن ومختصة به. ربما هذا ما دفعني إلى الاشتغال على أسلوب فني آخر مختلف جذرياً عن الواقعية، مع العلم أن الواقعية هي الأساس في إتقان اللعبة الفنية، فلا يمكن لعين الفنان تقديم عمل فني حديث ومعاصر دون أن تتقن الواقعية، فالواقعية هي انعكاس ومطابقة للطبيعة الماثلة أمامنا والتي تعتبر أي الطبيعة المعلّم الأول للفنان.

الارتقاء بثقافة المتلقي
كغيرها من الفنانين السوريين وفي ظل الحرب التي مارست قسوتها بأبشع الصور، انطلقت للعرض خارج سورية في تحدّ لغول الدم، فكانت لها مشاركة في معرض «العشاء السري» في محاولة لمقاربة الحرب التي تتعرض لها سورية وقراءة الفنانين لها.
عن الأهداف التي تريد عويضة الوصول إليها بالتالي إيصالها للمتلقي، تؤكد أن للفن الكثير من المهام التي يؤديها، أولها الإحساس بالجمال والاستمتاع بالعمل الفني الذي يؤدي إلى الشعور بالفرح والسعادة ليمنح الرغبة بالعطاء والخير، بالتالي المحبة والإنسانية.. من ثم ينتقل العمل الفني ليخاطب العقل، فيعبّر عن الواقع الزماني والمكاني للناس من وجهة نظر الفنان. من هنا علينا الارتقاء بثقافة المتلقي الفنية، منذ الطفولة بمناهج التدريس والرحلات المخصصة للمعارض، وورشات العمل، من ثم تطويرها بمراحل عمرية مختلفة تتناسب مع نمو الوعي للإنسان خاصة بمراحل المراهقة والشباب.
«الحداثة في فن التصوير السوري المعاصر وأثرها على المتلقي من العشرينات حتى التسعينات» عنوان رسالة الماجستير التي نالتها، هو عنوان شائك وجريء يتناسب معها كفنانة مشاكسة بطبعها، يستفزّها الصعب، بل أكثر من ذلك فوّار بالأسئلة أمام الكثير من المتابعين للفن التشكيلي الذين يعانون التواصل مع اللوحة وفك رموزها، من هذه الأسئلة: ما هي الحداثة ومن روادها الذين تأثرتِ بهم؟ تقنيات الرسم التي تستخدمينها مراعية الحداثة المعاصرة، وكيف يمكن استثمار الفن الحديث الجديد محلياً في مواكبته لأزمات الأمة.. الحرب اليوم مثلاً؟.
عن كل ذلك تجيب عويضة بالقول: طبعاً الحداثة هي الانتقال إلى الجديد والحديث الذي يحمل قيمة، والمختلف جذرياً مع القديم الذي تمثل بالواقعية الكلاسيكية، وهذا الكلام فتح أمام الفنان باب البحث والتجريب والحرية المطلقة في التعبير والتحرر من القيود أياً كان نوعها. لم يعد المطلوب مني الالتزام بأي مدرسة فنية أو اتجاه معين بل يمكنني الاستفادة من كل التجارب الفنية الحديثة والقديمة، وإيجاد الحلول التشكيلية التي تناسبني لابتكار أسلوب خاص بي كفنانة.. فعلى سبيل المثال قد تجدين في لوحاتي المخطط التجريدي ولكن بملامح تعبيرية وفي الوقت نفسه إشراقة الألوان الانطباعية وبعض الكولاج والتضاد اللوني ..الخ، وبرأيي هذا لم يكن خياراً وإنما انعكاس للإحساس الداخلي لما هو محيط بنا من مناخ بيئتنا المعتدلة من جهة، وطبيعة حياتنا الاجتماعية والفكرية والثقافية من جهة ثانية.
ومن دون شك الفن الحديث والمعاصر يمتلك القدرة الكبيرة في التعبير عن الأزمات الإنسانية، فالحداثة نفسها كان هدفها سعادة الإنسان، وعندما انتهت مرحلة الحداثة بمرحلة ما بعد الحداثة جاءت مرحلة ما بعد بعد الحداثة وما قبلها، لتعيد النظر بما تم إنجازه، فالتعبيرية تعمقت وبرزت أكثر أيام الحروب ولا ننسى الكورنيكا لبيكاسو، فهي تمثل المجزرة التي تمت في مدينته في إسبانيا. أما أنا كميساء، أكره العنف ولا أستطيع مشاهدته، أتابع الأخبار من بعيد، لأنني غير قادرة على تحمل رؤية طفل يبكي لأنه فقد أمه، دميته، لأنه جائع أو أم تَهْرُبْ بأولادها لتحميهم.. ولا رؤية شباب بلدي يذبحون.
عندما تغلق اللوحة أبوابها في وجه ميساء عويضة، ماذا تفعل لتدق هذه الأبواب مجدداً، وكيف تعيد الالتحام بها؟.
اللوحة لا تغلق أبوابها، دائماً مفتوحة تنتظر من يحاورها، والفنان كالفيلسوف يراقب الحياة بما فيها ويلاحظ فينتقد، يكشف ويعلق فتنشأ الأفكار. لكن قد تبدئين بلوحة ما وتنتهين بأخرى، لأن الحوار البصري بين اللوحة والعين يفرض نفسه ومن هنا يجد العديد من الفنانين صعوبة في الالتزام والتقيد بتنفيذ فكرة أو موضوع معيّن.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة