الخميس, 6 تشرين الأول 2022
ميديالوجي... أخبار ع الماشي               قاعات منسّية ومهمّشة.. المكتبات المدرسية مغلقةٌ حتى إشعار آخر               سفير جمهورية أرمينيا بدمشق البروفيسور أرشاك بولاديان: سورية مازالت وستبقى قوية بفضل قيادتها وشعبها وجيشها البطل               مصمِّمة الأزياء هويدا بريدي: سورية انتصرت.. والأهمّ أن تتابع هذا الانتصار بالجدِّ والعمل               يعود تاريخ بعض مقتنياته إلى أكثر من 150 عاماً المتحف المدرسي للعلوم غنى بالموجودات وضعفٌ في الترويج               رقابة معدومة وغياب لإجراءات السلامة والأمان.. مدن الملاهي.. ترخيص بلا شروط وورشات تصنيع بدائية!               مؤسَسَة في رَجُل ورَجُل في مؤسَسَةَ.. الأستاذ الدكتور محمود السيد.. تلك السّيرة الملوّنة               أكثر من 12 ألف طالب عادوا إلى كليّاتها رئيس جامعة الفرات: الأولوية عودة أعضاء الهيئة التدريسية لإعطاء المحاضرات المطلوبة               الفنانة رنا شميس: ما قدّمته الدراما جزء يسير وأقلّ بكثير مما يجري في الواقع              
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 39 تاريخ 7/8/2008 > المحمول في أيدي الأطفال والمراهقين قنبلة موقوتة عندما يغيب التوجيه والوعي!
المحمول في أيدي الأطفال والمراهقين قنبلة موقوتة عندما يغيب التوجيه والوعي!
جهينة- سماح عمّاش:

كان حزيناً يشكو بألم ومرارة معاناته من عصر إلكتروني بات فيه امتلاك تقنيات التكنولوجيا الحلم الأوحد والأهم بالنسبة للأبناء, سألته ما القصة فرد قائلاً: هل تصدقين أن ابنتي التي لم تصل بعد إلى المرحلة الإعدادية أصابها الاكتئاب وتعيش عزلة شديدة لأني رفضت طلبها بشراء محمول خاص بها, فقد أصبحت مثار سخرية واستهزاء بين رفاقها الذين يمتلكون أحدث الأجهزة, وهي تتهمني بأني لا أحبها وتعتبرني أباً غير حضاري, فماذا أفعل أرشدوني؟
قصة ذلك الأب تشبه قصص الكثير من الآباء الذين يعيشون صراعات حقيقية ما بين قناعاتهم التربوية وحبهم لأبنائهم وبين إغراءات التكنولوجيا التي تصدر إلينا كل يوم وتفرض سطوتها بقوة على تفكير الشباب ناسفة أحلامهم وطموحاتهم وأهدافهم العظمى في الحياة وقيمهم أيضاً.
وتبدأ قصتنا مع المحمول الذي أصبح اليوم للأسف نقمة حقيقية بدلاً من أن يكون نعمة ووسيلة تيسر لنا أعمالنا وتنقذنا في المواقف الصعبة, فقد انتشر في الآونة الأخيرة انتشاراً كبيراً وأصبح في متناول كل يد بغض النظر عن حاجته الملحة, وإن قبلنا هذا الوضع بالنسبة للراشدين, هل يمكن أن نقبله بالنسبة للأطفال والمراهقين الذين يلهثون أيضاً وراء اقتناء آخر صرعاته؟ ولماذا يشتري الآباء أصلاً هذا الجهاز لأبنائهم خاصة عندما لا تتوفر الحاجة الملحة؟ وما أبرز سلبيات هذه الظاهرة , وبالمقابل هل يضع الآباء الضوابط الضرورية التي تحكم استخدام المحمول من قبل الأبناء وكيف؟ ومن المسؤول الأول عن إساءة استخدام المحمول من قبل هذه الفئة؟

خوفاً عليهم
معظم الآباء الذين التقيناهم عبّروا عن رفضهم الشديد لظاهرة انتشار المحمول في أيدي الأطفال المراهقين لأنهم لمسوا بأنفسهم على أرض الواقع مدى خطورة المحمول على هذه الفئة العمرية من كل النواحي الصحية والفكرية والاقتصادية, وأجمعوا أن أضراره أكثر بكثير من فوائده وخاصة عندما يساء استخدامه نتيجة غياب توعية الأهل لكيفية استعماله بالشكل المفيد وفي الحالات الطارئة, لكن المفارقة العجيبة أنه على الرغم من اقتناع بعض الآباء بخطورة هذا الجهاز على ثقافة وقيم وعقول الأبناء إلا أنهم حسب قولهم وجدوا أنفسهم مضطرين لشراء هذه الأجهزة لأبنائهم خوفاً على حالتهم النفسية من أن يشعروا بالدونية أو النقص أمام رفاقهم أو يضطروا للحصول على هذا الجهاز بطرق شتى غير سليمة تؤذيهم أكثر.
مكافأة
السيدة إسعاف مقتنعة تماماً بعدم وجود حاجة ماسة تفرض على الآباء شراء هذه الأجهزة للأطفال والمراهقين, وتؤكد أن أضرار استخدام المحمول عند هذه الفئة تصل إلى 80 % مقابل 20 % فوائد وفي ظروف معينة ونادرة, إلا أنه رغم هذه القناعة لم تستطع أن تتخلى عن وعدها لابنتها بشراء محمول خاص بها عندما تأخذ الشهادة الإعدادية بقولها: ابنتي دائماً تشتكي من أحاديث رفاقها لأنهم يفاجؤون من عدم امتلاكها المحمول رغم تفوقها الدراسي، وشرائي المحمول لها أعتبره مكافأة حقيقية على نجاحها، أما بالنسبة لابني الأكبر فلم أشتر المحمول له إلا بعد دخوله الجامعة، وقد قمنا أنا ووالده بتوجيهه لكيفية استخدامه بالشكل السليم، وباعتقادي كل الجهات التربوية المحيطة بالأبناء مسؤولة عن توعية الأبناء بهذا الخصوص، ففي عصرنا الحالي ليست الأسرة وحدها التي تقوم بعملية التربية.
اتساع الحرية
وتقول السيدة /جوليانا- موظفة/ أنه أمام تدفق هذه التقنيات الحديثة كل يوم لا نستطيع إلا أن نجاري العصر, لكن يمكننا تحديد المرحلة العمرية التي يمكن السماح فيها للأبناء بامتلاك المحمول, وباعتقادي على الأقل بعد سن العشرين أو عند الدخول إلى الجامعة إذا كان هناك حاجة ماسة لذلك, وهذا ما طبقته أنا شخصياً مع ابني وابنتي.
وتتابع: مشكلتنا كآباء مع المحمول أنه بات يشغل عقول المراهقين أكثر من أي شيء آخر, فهو يستخدم أغلب الأحيان لأهداف التسلية كتبادل الأحاديث الطويلة والنكت والرسائل غير الأخلاقية والصور الخلاعية, ما يساهم في تفتح وعي الأطفال والمراهقين على أمور عديدة قبل الأوان, إضافة إلى ذلك ساهم المحمول في زيادة توتر العلاقة ما بين الآباء والأبناء, حيث أصبحت العلاقة بينهما باردة وجافة وتخلو من الاحترام لأن هامش الخصوصية والحرية اتسع كثيراً عند الأبناء بعد امتلاكهم هذا الجهاز.
غابت السلطة
ويؤيدها الرأي / أبو ماهر ـ تاجر / بقوله: في الزمن الماضي كنا نخاف من استخدام الهاتف بحرية, وكنا نُسأل من قبل آبائنا عن كل التفاصيل, مع من نتحدث ولماذا, ومن هم رفاقنا, أما اليوم لم يعد لدى الآباء السلطة نفسها التي كانت في الماضي على الأبناء, حيث نرى الشباب يتحدثون بكل جرأة ووقاحة ساعات طويلة على المحمول ودون فائدة, وقد لا نستطيع الاستفسار عن خصوصياتهم لأنهم سيثورون ويغضبون لأننا نتدخل فيما لا يعنينا حسب قولهم, فالمحمول ساهم في تقليل احترام الأبناء للآباء.
ضار وضروري
وتشبّه السيدة / جورجيت يعقوب ـ قابلة قانونية / المحمول بالوجبة الضارة التي نأكلها على الرغم من أننا نعرف مدى ضررها على صحتنا, فهي تدرك مخاطر المحمول على هذه الفئة العمرية, لكنها ترى أنه لا يمكن الاستغناء عنه في هذا العصر لفوائده الكثيرة وأهمها الاطمئنان على الأبناء أينما ذهبوا سواء للمدرسة أو النادي أو عندما يذهبون إلى أماكن بعيدة مع رفاقهم. وتقول: نعيش اليوم في زمن صعب تعقدت فيه ظروف الحياة, وكثرت المشكلات والحوادث, ما يدفعنا كآباء للاطمئنان على أولادنا في كل لحظة, إنما بالمقابل علينا وضع ضوابط معينة على طريقة استخدامهم لهذا الجهاز, كتحديد استخدامه فقط في الأوقات الضرورية عند خروجهم من المنزل إلى أماكن معينة, وهذا ما أفعله مع ولديّ, وهما بالمقابل يصارحاني بكل شيء يحدث معهما كتلقي الرسائل والصور وغيرها, وأقوم طبعاً بتوعيتهم وإيضاح الصح من الخطأ في تبادل مثل هذه الأمور.
تحد وإثبات للذات
ويحمِّل / أيمن أبو ترابه ـ مترجم / الآباء مسؤولية هذه الظاهرة «موضة ليس أكثر» ويرى أن بعض الأهالي بحاجة للتوعية قبل الأبناء بكيفية الاستخدام المفيد للمحمول وكذلك ضرورة اكتساب معرفة استخدام التقنيات العالية لهذا الجهاز ويوضح بقوله: بعض الآباء للأسف يشترون هذه الأجهزة لأطفالهم كي يتحدوا الآخرين ويثبتوا لهم أنهم قادرون على تلبية كل احتياجات أبنائهم, أو تحقيقاً لحاجة نفسية دفينة كإبراز الذات وإثبات تفوقها على الآخرين أو بسبب الغيرة, وهناك أيضاً آباء يعتقدون أنهم يستعجلون نمو ونضج أبنائهم عندما يشترون لهم المحمول متناسين أن لكل مرحلة عمرية خصوصيتها , وأن المحمول أداة خطيرة فعلاً في أيدي الأطفال والمراهقين من الناحيتين الصحية والأخلاقية وخاصة عندما يصبح محوراً أساسياً في حياة الأبناء عبر أحاديثهم وتبادل النغمات والصور الإباحية وغيرها.
ويرى أيمن أنه يمكن تحويل المحمول لأداة إيجابية من خلال جعله حافزاً للأبناء كي ينجحوا ويتفوقوا ويصلوا إلى المرحلة الجامعية تحديداً , لكنه يشدد بالمقابل على أهمية الرقابة غير المباشرة من قبل الآباء على طريقة استخدامه من كل النواحي المادية والأخلاقية وغيرها.
المراهقون يتحدثون
وبعد استنكار الآباء لهذه الظاهرة, كان لا بد أن نسأل الأطفال والمراهقين أنفسهم عن دور المحمول في حياتهم، وماذا يعني لهم، ولماذا يستخدمونه وكيف؟ وذلك كي نتعرّف أكثر إلى هذه الظاهرة ونرصد جميع حيثياتها وأسبابها، علّنا نصل إلى حلول تفيد في كيفية ترشيد استخدام التكنولوجيا.
نختلف عنكم
بعبارات تسبق سنه، بادرني الطفل/محمد-11سنة/ بالإجابة فوراً عن أسئلتي بشكل صاعق بقوله: أطفال اليوم يختلفون عن أطفال جيلكم, فنحن نشأنا وتربينا على يد أجهزة التكنولوجيا الحديثة, لذلك لا نستطيع العيش دونها, وكفى أن تطالبونا بأن نعيش في العصر الماضي، بلا كمبيوتر ومحمول , فالمحمول ضروري جداً بالنسبة لي لأتحدث مع رفاقي وأتبادل معهم النغمات والصور, ولكن اطمئنوا الصور المؤدبة كصور الحيوانات والمناظر الطبيعية لأني أهتم بهذا الجانب كثيراً, وكذلك هو مهم جداً كي أتواصل مع عائلتي عندما أتأخر عن البيت.
تحميل الأغاني
ويقول /فراس طرفة ـ 13 سنة /: المحمول ضروري بالنسبة لي خاصة وأن معظم رفاقي يمتلكونه , ولكن يمكنني الاستغناء عنه , فأنا أستخدمه مع أخي الأكبر ( 16 سنة ) وفي أوقات معينة عندما أخرج إلى مكان بعيد عن أهلي , وأهم استخداماتي له في البيت لتحميل الأغاني وسماعها , وكذلك الصور الرياضية مع رفاقي.
أساسي
ويستخدم / خالد موسى ـ 17 سنة / المحمول منذ خمس سنوات ويعتبره جهازاً أساسياً في حياته وليس مظهراً من مظاهر الرفاهية, فهو يستخدمه من أجل الانترنت بالدرجة الأولى وخدمات التصوير, لذلك يرفض خالد أن يمتلك جهازاً عفا عليه الزمن حسب قوله, ويواكب دائماً أحدث تقنيات المحمول, وأبوه يشتري له ما يريد في أغلب الأحيان.
رفيق محبب
وتتمنى / هبة ـ 15 سنة / أن تمتلك المحمول لأن كل زميلاتها يمتلكن هذا الجهاز قبل المرحلة الإعدادية وتقول: أحسه أحياناً كالرفيق لنا , فهو يساعدنا على تبادل الأحاديث والرسائل مع الرفاق وخاصة الذين يقطنون خارج المحافظة أو خارج سورية , وكذلك يتضمن المحمول ألعاباً جميلة للتسلية , وأكثر ما أرفضه ويزعجني استخدام هذا الجهاز لإزعاج الناس وإثارة المشكلات.
كل شيء
وتستخدم / سناء ـ 19 سنة / المحمول منذ سنة تقريباً, ويعني لها كل شيء لأنه سهّل كثيراً عمليات التواصل بين الناس, وبالتالي بات العيش من دونه صعباً كما تقول: بما أن خدمة براق ألغيت في الشوارع فقد أصبحنا بحاجة أكثر للمحمول لأنه ينقذنا حقاً في مواقف كثيرة صعبة, إضافة إلى أنه وسيلة حضارية هامة وخاصة إذا كان ذا تقنية حديثة عالية ويؤمّن لنا استخدام الانترنت أو الترجمة وغيرها من التقنيات الهامة لخدمة الإنسان.
حالة تقليدية
استخدام المحمول بالنسبة/ لنورما-17سنة/ يتبع لحالتها المزاجية وظروفها، ولا يشكل حاجة ضرورية بالنسبة لها، إنما حالة تقليدية واعتيادية لأن الجميع يحمل محمولاً: جهازي جاءني هدية من صديق والدي وفرحت به في البداية كثيراً خاصة وأنه منحني الشعور بالاستقلالية والحرية , وكان مهماً بالنسبة لي في فترة ارتباطي الذي كان سيتوج بالزواج, لكن بعد فشل هذا المشروع لم أعد أستخدمه لأني شعرت أن المحمول سوف يشغلني عن دراستي ويبعدني عن جو العائلة, حيث يصبح الواحد منا مشغولاً بالرسائل والاتصالات الفارغة في بعض الأحيان, أما الآن فقد عدت لاستخدامه بعدما أنهيت فترة الامتحانات.
بوجوده... لا نوم
وقصة / حنان ـ 16 سنة / قصة قد لا تكون غريبة ومدهشة بالنسبة للمدمنين على هذا الجهاز, لكنها مدهشة بالنسبة لي على الأقل وتثير الكثير من التساؤلات الموجهة للآباء أولاً ولجميع مؤسسات التربية ثانياً.
المحمول بالنسبة لحنان كظلها تماماً لا يفارقها نهاراً أو ليلاً, حتى أنها تحرم من النوم أحياناً بسببه لأنها تسهر ساعات طويلة تتحدث به, فهو يمثل حياتها كلها على الرغم من أن علاقتها معه حديثة العهد منذ سنة تقريباً, ولأنها شخصية اجتماعية ومحبوبة جداً من قبل زملائها، كما تقول فالمحمول لا يغادر أذنيها لحظة واحدة وأحياناً ساعتين فقط في اليوم, حيث تتواصل الاتصالات بها, ولو أنها هي المبادرة بالاتصال لكان مصروفها اليومي من البطاقات كما تعترف ألفي وحدة أي ما يعادل ألفين وخمسمائة ليرة سورية, تخيلوا الأمر يرعاكم الله!
وتحدثنا حنان عن بداية قصتها مع هذا الجهاز بقولها: أهلي في البداية رفضوا شراء المحمول لي, لكن بعد إصراري على هذا الموضوع ونجاحي في الإعدادية حققوا لي رغبتي خاصة وأن معظم زملائي في المدرسة كانوا يمتلكون المحمول منذ الصف السادس, وأنا وحيدة ومدللة عندهم, وقد شعر أهلي بضرورة امتلاكي المحمول عندما تعرضت لحادث سيارة, ولكن المدهش في الأمر أني تعرضت لحادثين آخرين أثناء سيري في الشارع وأنا أتحدث بالمحمول, وذلك بسبب شرودي وقلة تركيزي.
وتتابع: المحمول يمنحني الشعور بالاستقلالية , وعلى الرغم من أن أهلي يعرفون كل علاقاتي إلا أني أفضل عدم التحدث أمامهم خاصة وأن الآباء لا يتفهمون كل شيء يحدث مع الأبناء, إضافة إلى ذلك أتحدث عن قصص حياتي اليومية كاملة مع أصدقائي وبالتفاصيل وكأني أقوم بزيارة وإنما على المحمول, ولدّي هوس بتحميل الأغاني, وأحياناً كنت أدرس مع رفاقي عبر المحمول, وبسبب تعلقي الشديد بهذا الجهاز تقوم أمي أحياناً بتفتيش جهازي أو مصادرته بالخزانة والإقفال عليه, وهذا التصرف كان يمنحني الراحة أحياناً لأني أتحرر قليلاً من ملاحقة الأصدقاء, وكذلك أتخلص من آلام رأسي وخدر يدي بسبب الاستخدام المتواصل للمحمول.
ضعف الآباء
وترى المرشدة النفسية لينا أن ظاهرة حب امتلاك المحمول أصبحت تفرض نفسها على جميع فئات وشرائح المجتمع كباراً وصغاراً, وأن طبيعة علاقة كل فرد بهذا الجهاز تنشأ تلبية لإشباع حالة نفسية ما يفتقدها الإنسان وخاصة عندما تكون هناك مبالغة في الاستخدام وتوضح: حب الظهور ولفت النظر حاجات ملحة لدى فئة المراهقين, حيث يعبّر عنها المراهق من خلال سعيه لامتلاك أمور يمتلكها الآخرون, وكذلك منافسة الآخر في هذا الجانب كي يشعر بالتفوق وباكتمال شخصيته, والأخطر في هذا الموضوع عندما لا يمتلك المراهق الوعي الكافي الذي يرشده للاستخدام الصحيح للتكنولوجيا بما يعود عليه بالفائدة لا بالضرر, ونحن نلوم الآباء أولاً الذين لا يقومون بواجبهم التربوي والإرشادي بالشكل السليم, والذين يضعفون أمام طلبات الأبناء، ويقدمون لهم كل ما يطلبون دون توفر الحاجة الماسة لهذا المطلب أو ذاك, فليس من الضروري مثلاً أن تكون مكافأة النجاح شراء المحمول لأن هناك أولويات ومكافآت أهم في الحياة يمكن أن ينتبه إليها أولياء الأمور وتفيد الأبناء بشكل إيجابي أكثر, وباعتقادي من الأفضل ألا يمتلك الأبناء هذا الجهاز إلا بعد مرحلة الدخول إلى الجامعة.
وتطالب المرشدة لينا بضرورة تفعيل دور المؤسسات الإعلامية والتربوية والثقافية في عملية الإرشاد والتوجيه العام لكيفية استخدام التكنولوجيا بشكل لا يسيء للمستخدم ولا للآخرين, والتركيز على المخاطر الصحية والأخلاقية للاستخدام السيئ, وأهمية احترام الوقت واستغلاله بما يخدم الإنسان, وكيفية التغلب على إدمان التكنولوجيا وخاصة عندما تفرغ طاقات الشباب فيما لا ينفعهم, وتشدد أيضاً المرشدة لينا على ضرورة التطبيق الحازم لقرار منع الهواتف النقالة في المدارس أو مراقبة كيفية استخدامه.
الحاجة والوعي
وطرحنا السؤال الأبرز على الدكتورة أمينة رزق / متخصصة بعلم النفس التربوي/ حول المرحلة العمرية المناسبة لامتلاك المحمول, وما مدى الاحتياج له بالنسبة لفئة الأطفال والمراهقين؟
عموماً لا ترى الدكتورة أمينة أن هناك حاجة ماسة لاستخدام المحمول من قبل هذه الفئة أو حتى من قبل بعض الفئات الأخرى من الراشدين, وتعتقد أن بعض مؤيدي هذه الظاهرة من الآباء يضحكون على أنفسهم عندما يضعون بعض المبررات لشرائهم هذا الجهاز لأبنائهم في مرحلة عمرية مبكرة جداً, ولم تحدد الدكتورة أمينة عمراً معيناً يسمح فيه للأبناء باستخدام المحمول, لكنها تؤكد ألا يكون ذلك قبل المرحلة الإعدادية أو الثانوية وتوضح بقولها: أرى أن هذا الموضوع يعتمد أولاً على مدى توفر الحاجة الماسة, ومن ثم حسب طبيعة شخصية المستخدم ووعيه, لاسيما أن هناك فئة من الراشدين تسيء استخدام المحمول مقابل فئة من المراهقين تحسن استخدامه, وتختلف بالطبع غايات ودوافع الآباء وراء شراء المحمول للأبناء, فالبعض يشتريه من أجل متابعة الأولاد, والبعض الآخر من أجل البرستيج وحب المظاهر, أو تعويض نقص ما في طفولة الآباء عند الأبناء وغيرها من الغايات, ويهمني تأكيد ضرورة عدم الاستجابة دائماً لرغبات الأبناء وخاصة عندما لا يكون الآباء مقتنعين بمطالب أولادهم.
ورداً على سؤالنا, ما النصائح التي تقدمينها للآباء حول كيفية ضبط استخدام المحمول من قبل الأبناء بشكل لا يسيء للعلاقة ما بين الطرفين أو يثير التوتر بينهما؟
أجابت: بداية لا بد أن يعلم الآباء أن كل ممنوع مرغوب, وبما أن المحمول تقنية حديثة, فهو يثير فضول حب الاكتشاف عند الجميع وخاصة فئة الأطفال والمراهقين, وبالتالي كلما ازدادت سياسة العنف والفرض والمنع سيكون رد الفعل من قبل الأبناء عكسياً, فقد يلجأ الأبناء للحصول على المحمول بطرق مختلفة غير سليمة (السرقة أو الاستخدام السري للجهاز وبطريقة غير صحيحة), لذلك عملية الضبط في كل مجالات الحياة تبدأ من مرحلة الطفولة عندما يعمل الآباء على خلق جسور التواصل السليم مع الأبناء، المبنية على المحبة والحوار الفعال والصراحة والإقناع والثقة, وبناء قيمهم واتجاهاتهم في الحياة عبر هذه الاستراتيجيات, فعندما لا يرى الآباء مثلاً وجود حاجة ماسة لشراء المحمول عليهم إقناع الطفل أو المراهق بذلك عبر شرح وجهة نظرهم له ومحاورته وتبيان مخاطر المحمول الصحية مثلاً وغيرها, بحيث يتخذ المراهق هو بنفسه قرار الاستغناء عن المحمول.
وتتابع: وعلى الآباء أن يدرسوا مدى حاجة الأبناء للمحمول قبل الشراء, ومن ثم يضعون ما يشبه العقد بين الطرفين الذي يتضمن شروط الاستخدام, وإن أخلَّ الأبناء بهذه الشروط يتم سحب المحمول ومصادرته, ومن هذه الشروط مثلاً ألا يكون الجهاز ملكاً تاماً للمراهق أو الطفل, واستخدامه فقط في الحالات الضرورية والظروف الطارئة أي عندما يكون الأبناء خارج البيت وفي أماكن بعيدة.
وتضيف: من الضروري أيضاً أن يكون الآباء قدوة حسنة للأبناء في موضوع الاستخدام السليم للتكنولوجيا, فعندما ترى الفتاة مثلاً أن أمها اشترت أحدث موديلات المحمول حباً بالمظاهر أو تستخدم المحمول للأحاديث الطويلة الفارغة، فإنها بالتأكيد ستتبنى هذه السلوكيات الخاطئة, إضافة إلى ذلك لا بد من توعية الأبناء باستمرار وتذكيرهم بأن التكنولوجيا وجدت لخدمة الإنسان وحل مشكلاته ولا يجب أن نحولها بأيدينا إلى مشكلة وضرر.
وأخيراً تقترح الدكتورة أمينة وجود جمعيات لحماية الطفل المراهق, كجمعية مناهضة سوء استخدام التكنولوجيا, بحيث يكون أعضاؤها من المراهقين والشباب الواعين لأنهم الأقدر على إيصال الرسالة لأبناء جيلهم خاصة وأن هذه الفئة العمرية تتقبل النصيحة والمعلومة بصدر رحب من جيلها أكثر مما تتقبله من الجيل الأكبر.
أخطار صحية مؤكدة
أكد بحث روسي علمي أن استخدام الأطفال للمحمول يضعف وظائف العقل لديهم لمدة ساعة تقريباً بعد استعماله ما ينعكس أيضاً على الوظائف الحيوية للجسم, وفي الصدد نفسه أشارت دراسة أخرى إلى أن الإشعاعات التي تستقبلها منطقة الرأس عند استخدام المحمول تحدث خللاً لخلايا مخ الصغار, ما يسبب ضعفاً في البنيان وصداعاً وضعفاً في الإبصار, فيعوق ذلك الاستيعاب والاستذكار ويؤخر التقدم الدراسي, وقد جاء في توصيات المؤتمر الدولي الأول في لندن الذي عقد لمناقشة الآثار الضارة على الصحة من استخدام المحمول, أنه يتوجب إبعاد المحمول عن جسم الإنسان مسافة لا تقل عن 5 سم عن الرأس, وبسبب كثرة المشكلات التي سببها المحمول للأطفال، شدد المكتب الصحي التابع للحكومة البريطانية على ضرورة حظر استخدام المحمول من قبل الأطفال وقال المكتب في تقريره إن الأطفال الأقل من 16 عاماً يكون جهازهم العصبي في مراحل تكوينه الأولى، ونظراً لأن الأبحاث لم تنته بعد في مجال أثر المحمول على الصحة فإن الأطفال أقل من 16 عاماً هم الأكثر عرضة لأمراض الجهاز العصبي وخلل وظائف المخ وذلك في حال ثبوت الأضرار الناتجة عن استخدام المحمول.
ولا بد من القول في النهاية: إن للإعلان دوراً كبيراً لا يمكن إغفاله في تشجيع الشباب أحياناً على إساءة استخدام التكنولوجيا وخاصة بعض وسائل الإعلام المرئية التي تستخدم كل أنواع المثيرات عبر الإعلانات التجارية الرخيصة التي تساهم في تسطيح فكر الشباب وإشغالهم فقط بصغائر الأمور كالحصول على النغمات المختلفة والصور وأفلام الفيديو الإباحية وغيرها, لذلك نتمنى من الآباء الانتباه أكثر وتوعية الأبناء بشكل مستمر من أجل حمايتهم من التأثير السلبي لهذه الإعلانات.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة